تلفون : 83741732 بريد الكتروني :Contact@akhirlahza.net فاكس : 83793073 - 83740992
الخرطوم ,

هذا ما سيبقى.. من أصحاب التجليات

راي:عمر محجوب سليمان

• تبدأ أعمار الأدباء الحقيقية عندما يرحلون، فما يتركونه من أوراق وصفحات وبصمات يمثل حياة إضافية تنطلق حين توارى أجسادهم التراب، لذا تظل أصواتهم تتردد على متن السطور وبين جنبات الأعمال الأبدية الحيه التي تمثل عوالم نابضة.. والطيّب صالح وأبوبكر وزيري من بين هؤلاء المبدعين الذين تركوا أوراقاً تنبض بالحياة وتخفق بالحيوية التي تبقى متوهجة رغم غياب أجسادهم.
• لقد كتب الطيّب صالح في المجلة (آخر ورقة) والذي نحتفل بذكراه كل ما يهل شهر فبراير.. وكتب أبوبكر وزيري والذي هو على بالنا دوماً بذكراه العطرة.. ونتذكر تلك الأيام  من ثمانينيات القرن الماضي.. وقد جمعتنا صحيفة السياسة وتواصلت المسيرة التي سطرها ووثق لها في إصدارته الخالدة.. رجع الصدى.. التقى الاثنان الطيّب وأبوبكر في حب وغزل قارة بعيدة عنا أصبحت قبلة وحلماً وتعج بالمهاجرين السودانيين.. إنها (أستراليا).. سبحان الله.. تغزلوا فيها من خلال كتاباتهم وامتعونا بسرد جميل عن تاريخ أشهر القبائل في العالم.. قبائل الاوبورجينال.
القارئ العزيز:
• عندما استعمر الإنجليز أستراليا ووصلوا إليها بدأوا بحملات تطهير للسكان الأصليين وهم الابورجينال.. فقتلوا الكثيرين منهم وقد كان الهدف من ذلك هو إخفاء أي وجود لهم والتخلص منهم ومنذ استقلال أستراليا وحتى الآن ترفض حكومة أستراليا ورئيس وزرائها تقديم اعتذار على ما فعله أجدادهم بأصحاب هذه البلاد، ولم يطالب زعماء الابورجينال وقتها من جون هاورد أكثر من كلمة آسف sorry على ما حصل.. ومع ذلك رفض وبشدة الاعتذار وتطور الأمر ليتحول إلى مطالبات بمبالغ هائلة وحقوق ضائعة هي من حقهم نيلها وتعني كلمة ابورجينال (أصلي) orlginel وكان الإستراليون الأصليون (الابورجين) أول قاطني أستراليا...الذين جاءوها قبل 50 ألف سنة.
القارئ العزيز:
• يروي الـ(ابوروجنيز) في أساطيرهم أن نهر (مورمبدجي) وهو أحد نهرين تقوم عليهما مدينة (كانبر) اليوم، كان في زمن مضى، حداً فاصلاً بين قبيلتين.. طال بينهما الخصام والنزاع، ثم اجتمع الحكماء من الجانبين، حكماء القبيلة التي تسكن الضفة الجنوبية من النهر، وحكماء القبيلة التي تسكن الضفة الشمالية من النهر.. تفاكروا في أمورهم وما صارت إليه أحوالهم وقدروا أن السلم خير من الحرب.. والوئام خير من الخصام وأن في الأرض على عدوتي النهر.. متسعاً لهم جميعاً.. بدا لهم أن الخصام والنزاع، إنما يشجران بسبب الاختلاط والمعاملات، يشتم سفيه من سفهاء القبيلة الشمالية سفيهاً من سفهاء القبيلة الجنوبية.. وهذا يضربه فتشتعل النار وربما يلاحق صياد جشع سمكة أعجبته إلى الضفة الأخرى.. فيرميه واحد من هناك بسهم.. وقد يعبر فتية نزقون النهر ليلاً إلى الضفة الشمالية.. لأنهم راوا كوراة عسل معلقة في شجرة (يوكالنبتس) فأغراهم المنظر.. فيعترض سبيلهم فتيان من الضفة الشمالية وكل قبيلة ملتزمة بحماية أبنائها ولو كانوا سفهاء.. فإذا هي الحرب وإذا هو القتل والجرح والضرب.. وقد تدوم الحرب أشهر وقد تدوم أعواماً.. رأى حكماء القبيلتين.. أن ذلك حمق لا يجوز وضلال ما بعده ضلال وقر رأيهم على أن يضعوا حداً لأسباب الخصام بأن تلزم كل قبيلة حدها وراء النهر.. كل قبيلة تعيش في أرضها مستقلة على القبيلة الأخرى.. لا تلتقيان إلا في المواسم الكبرى مع بقية القبائل.. أخذوا العهود والمواثيق، والتزمت كل قبيلة بما عاهدت عليه.. سطح دابر الشقاق وحل السلم وطاب العيش كل في أرضه وسعد الحكماء على عدوتي النهر..
• مضى ردح من الزمن ثم ذات صباح جميل من هذه الإصباح التي تغري بالمغامرة وتجر وراءها الشقاء.. رأى فتى محارب مزهو بنفسه من القبيلة الجنوبية، فتاة من القبيلة الشمالية تسبح وحدها في النهر.. كانت هي الأخرى مزهوة بشبابها سعيدة بالشمس والمياه الصافية وخضرة الغابات ونداءات الطيور من غصن إلى غصن، فكانت تضحك وحدها كأنما للا شيء، تغطس ثم تطفو، وتسبح مسافة ثم تسلتقي على ظهرها تنظر إلى السماء، وصدرها العاري يلمع في الضوء ويختفي ويبين كأنما من فرجات غيم خفيف.. وقف الفتى ينظر إليها كالمأخوذ ثم ضحك هو أيضاً.. أخذ يضحك ويلوح برمحه فلوحت له بيدها.. في اليوم الثاني ناداها (ما اسمك؟).. نادته وهي تقترب من منتصف النهر واسنانها مثل حبات اللؤلؤ تلمع في ضوء الشمس.. في وجه مثل العسل المجني من شجر الكافور (بومن قالانا.. بومن قالانا.. وانت ما اسمك؟).. (قبا قمبالن).. حمل الصدى نداء الفتاة والفتى من شاطئ وأخذ الشاطئان يناديان (بومن قالانا.. قبا قمبالن).. في اليوم الثالث دخل الفتى الماء وكأن قوة غامضة تشده وسبح صوب الضفة الشمالية والفتاة تجذبه إليها بوجهها العسلي وأسنانها البيضاء وضحكتها العذبة.. وصل منتصف النهر فسبحا مع التيار جنباً إلى جنب حتى وصلا جزيرة صغيرة وسط النهر بعيداً عن أعين الرقباء.. أخذا يلتقيان كل يوم وأعطاهما الحب جرأة.. فكان الفتى يسبح أحياناً إلى الضفة الشمالية والفتاة تسبح إلى الضفة الجنوبية.. وازدادا جرأة فلم يعودا يكترثان أن الفتاة ممهورة لفتى من قبيلتها.. والفتى ملتزم لفتاة من قبيلته، وقر عزمهما إلى الفرار سراً إلى التلال البعيدة.. ثم كما كان مقدراً أن يحدث كشف الرقباء سرهما فأسرعوا يخبرون حكماء القبيلتين..أدرك هؤلاء لأول وهلة أنهم إذا لم يتداركوا الأمر فإن كارثة سوف تحدث.. سينهار السلم الذي أظلهم زمناً طويلاً.. وسوف تنشب الحرب ويعودون إلى ما كانوا عليه من خصام وشقاق.. اجتمع حكماء الشمال وحكماء الجنوب وتفاكروا في الأمر.. قال أحدهم عفو الخاطر دون أن يمعن النظر: (أرى أن ندعهما ينجوان بنفسيهما ماذا يضيرنا من ذلك؟.. ونعود إلى ما كنا عليه).. لكن رأيه لم يجد قبولاً.. وأشار حكيم منهم لعله كان أبعد نظراً مما ينبغي.. أن يقبلوا بالأمر الحاصل ويزوجوهما فربما يكون ذلك بداية عهد جديد من التعايش السلمي بين القبيلتين.. أيضاً هذا الرأي لم يجد استحساناً ونظر الحكماء إلى قائله كأنه مجنون.
وأخيراً وصلوا إلى حل رأوا أنه الحل الحاسم.. أجمعوا رأيهم على قتل الفتى والفتاة العاشقين وبذلك يقضون على الفتنة في مهدها.. وتكون دماء العاشقين ثمناً زهيداً لدوام السلم بين القبيلتين.
في ليلة كثيفة الظلام.. تسلل (قبا قمبالين) من الضفة الجنوبية ودخلت (بومن قالانا) من الضفة الشمالية.. سبح كل منهما تجاه الأخر، والتقيا في منتصف النهر.. كانا ينويان السباحة أسفل النهر ثم ينطلقان نحو التلال البعيدة.. لم يكادا يلتقيان حتى انهالت عليهما الرماح من الضفتين، أخذا يسبحان والدماء تنزف من جسديهما حتى وصلا الجزيرة.. هناك أسلم كل منهما روحه.
تقول الأسطورة إن غابة البومن الكثيفة التي نمت في تلك البقعة من النهر.. هي الرماح التي أردت الحبيبين.. وإن دماءهما صبغت مياه النهر حتى وصلت إلى الصخور في ذلك الموضع.. فهي حمراء إلى اليوم ..وإن الضفادع على الضفتين ظلت تبكي عليهما إلى يومنا هذا.. تنادي ضفادع الضفة الجنوبية باكية (قبا قمبالن).. فتجيبها ضفادع الضفة الشمالية (بومن قالانا).
هذا ما سيبقي من أصحاب التجليات.. رحم الله رحمة واسعة الأحباب.. الطيب صالح وأبوبكر عبدالقادر وزيري.

قراء 302 مرات

صفحتنا على الفيسبوك

الى الاعلي