تلفون : 83741732 بريد الكتروني :Contact@akhirlahza.net فاكس : 83793073 - 83740992
الخرطوم ,

وعي الذات

 

راي: علي بلدو

وعي الذات يشمل معرفتها والقدرة على إدراك أسئلتها وحاجاتها والنزوع الى التعبير عنها، والحفظ يتعلق بالمعرفة أي بقضايا التصورات والفهم يتعلق بالعقل، أي بقضايا الخبرات، وأما الوعي فيجمع ما بين الاثنين وهو بمثابة الإدراك الواعي والرواية هي اشتغال فعل الوعي، من خلال فعل اللغة وفعل السرد.

والذات الواعية تحس وتدرك وتفكر وتفعل ويقوم التفكير بأهم وظيفة في نطاق الذات، وعندما يكون التفكير فاعلاً في هذه المنظومة، فإنه يستكمل فعاليته بالحدس أو بالخيال الخلاق، بحيث يتضافر إدراك أمر معين مع إدراك الإمكانات الكامنة فيه، والروائي إنما يبدأ في تشكيل رؤيته الخاصة من منظوره الذاتي بوصف الكاتب ذاته كمادة للوعي، مما يعكس تفاوت درجات الوعي وتنوع اهتمامات الذات الواعية وهمومها، كما أن الذات إنما تقارب الآخر مستخدمة نظامين من خارج الذات وهما نظام اللغة ونظام السرد، وكلها تداخلات تنعكس على العمل الأدبي والروائي، فيبقى برسم الاختبار ضمن الفضاء النقدي الذي يفتحه لاختياراته الخاصة، لأن وعي الذات الكاتبة ينعكس على اختياراتها السردية وعلى وعي نماذجها من الأبطال والشخصيات في إطار رؤية نقدية تسعى  لتحرير الوعي من الارتهان لمقولات السائد المغلقة وتؤسس فهماً جديداً منفتحاً ومتسامحاً لكل ما يقع في دائرة الاهتمام الذات الواعية من قضايا الواقع، والمجتمع والتاريخ والهوية، والانتقال من الوعي المتحقق الى الوعي الممكن.

والروائيون جزء من النخبة الواعية وهم قادرون بدرجاتهم المتفاوتة على التفكير من موقعهم في مجتمعهم وفي العالم يساهمون في تجسير الفجوة الثقافية مع الآخر ومع الغير، وتحويل متعاليات الفكر الفلسفي الى مستوى التداول الثقافي والاجتماعي، مما يبعث في تلك النماذج قدراً كبيراً من الحيوية المفعمة بالتنوع، ويجئ البطل أو الشخصية الرئيسية في معظم الروايات ذا وعي عال بالذات وبالعالم ويتمرد على المألوف ويتجاوز الرتابة ويحاول أن يغادر واقعة الضيق والمعتم الى فضاءات الاستنارة الرحبة وغير المحدودة.

إن إنتاج الرواية لا تقوم به مؤسسات بل أفراد، وفي أبرز وجه من وجوهه بمثابة الرد على السلطات الاجتماعية ومنظوماتها ومؤسساتها العامة، وفرد واعٍ واحد ربما يكون في حجم مؤسسة كاملة مما يعدون وهو وعي أفراد ونخب لا وعي أنظمة وهيئات، وليس بوعي حضارة تقليدية مازالت شعوبها تنساق وراء حركة تاريخ ذي اتجاه واحد لم تشارك في صنع أحداثه، بل وتشكك في كثير من مسلماته ورواياته وهي محرومة من الوعي الذي يحمله هذا التاريخ بداخله عالم ذو مرايا مهشمة تشوه  الأنوار التي تنعكس عليها وتحيلها الى أشعة هاربة وزوايا منفرجة في طيف بصري وأدبي سرعان ما يتلاشى في غياهب النسيان، وينساب في ثنايا الكتمان الى أن يبعث من جديد.

قراء 382 مرات

صفحتنا على الفيسبوك

الى الاعلي