تلفون : 83741732 بريد الكتروني :Contact@akhirlahza.net فاكس : 83793073 - 83740992
الخرطوم ,

‎ورحلَ مولانا

 

راي:‎طاهر المعتصم

 

‎*عندما أعلن فجر الجمعة عن زخات من شهبٍ رصدت تزين السماء، كانت روح صديقنا القاضي الطيب محمد الطيب تصعد الى بارئها، والإمام يقرأ في فجر الجمعة سورة (الإنسان)، علمت من الهاتف بخبر رحيله بسلام بعد معاناة مع المرض كان فيها من الصابرين.
‎*وفي السودان تعارفنا على اطلاق لقب (مولانا) على القضاة توقيراً واحتراماً، مولانا الطيب ورفيقا عمره اللواء محمد عبدالرحيم، والمصرفي الراحل ابوالفتح حسن متولي، كانوا مثلثاً منفرج الزاوية احتضنونا ونحن في خيلاء الشباب رغم فارق السن، أوسعوا لنا في مجلسهم ومنحونا من عصارة تجاربهم في الحياة، فكانت (شلتنا) متباينة الأعمار تلتئم في منتدى يومياً في حي (الاملاك)، نختمه بطبق من الفول والخبز الساخن، متناولين فيه ضروباً من الشعر والأدب، ونعرج على الفلك والعلوم العسكرية، ومثيرات الأحداث في عالم السياسة وأحداث الغد لا سيما وبعضنا من قبيلة الصحافة.
‎*كنت أفوز بإرجاع مولانا الى منزله بضاحية (كوبر) غير مرة، لذا نشأ ود خاص بيني وبينه، جعل ذاكرتي حبلى بعديد من قصص القاضي المُعتق، كيف لا وهو أحد ضحايا مذبحة القضاء الشهيرة في عهد مايو في اوائل الثمانينيات، فقد طرق باب منزله مسؤول الشرطة يومها والبلاد تشهد تظاهرات ضد حكم مايو، طلب الضابط الموافقة من مولانا قاضي المديرية على دفن جثمان طالب قضى نحبه في المظاهرات، فسأل عن تقرير التشريح ولمن وجه الاتهام.
‎*لم يجب ضابط الشرطة فرفض مولانا التصريح بدفن الجثمان، إلا بعد اكتمال الإجراءات وهو يومها المسؤول الأول عن القضاء في الخرطوم، وليست هنالك سلطة أعلى منه إلا رئيس الجمهورية وقتها جعفر نميري.
‎*الذي عندما علم برفض القاضي أمر بإقالته فوراً، فتدخل نائبه وقتها عمر محمد الطيب، وطلب من رئيسه أن يرجئ الأمر الى حين صدور كشف إعفاء القضاة خلال شهرين، حتى لا يؤلب الرأي العام وقد كان، بعد بضعة وعشرين عاماً التقى مولانا بالمخلوع نميري، وقد ذهبت السلطة وعاد من منفاه الطويل، فروى له قصته وقال لنميري هل تذكر هذه الحادثة، فرد النميري لا أذكرها، ولكن دون شك أني قد قمت بها فكذلك كنت أعالج الأمور.
‎*في ليلة الاحتفال بالاستقلال من القصر الجمهوري قبل بضع سنوات، كنت ومولانا نخطو الى القصر ملبين الدعوة، فالتفت مسلماً بحرارة على مساعد الرئيس عبدالرحمن الصادق المهدي، وقال له هل تذكر أيام اعتقالنا في أول سنين الإنقاذ يا عبدالرحمن، وقد كنت بالمعتقل حبيساً وصرت مساعداً للرئيس أما أنا فما بدلت تبديلا.
‎*برحيل مولانا انكسر فينا ضلع مهم من أضلع الشلة، وقد اطلقت على عامنا هذا عام الرمادة، ففي أوله رحل حادي ركبنا الخال ابوالفتح حسن متولي، وما أن انتصف العام رحل والدي العزيز، وقبل أن يودعنا العام غادرنا بسلام مولانا الطيب.

قراء 69 مرات

صفحتنا على الفيسبوك

الى الاعلي