تلفون : 83741732 بريد الكتروني :Contact@akhirlahza.net فاكس : 83793073 - 83740992
الخرطوم ,

الشفيع.. بين الذكريات والخمايل والبان جديد

  راي:عوض أحمدان   طبقاً لما أورده الباحثون، وشهد بتفاصيله أهل الشأن، يظل الفنان الكبير عثمان الشفيع، نجماً يزين أركان مواقع الإبداع بجميل أدائه وحسن انتقائه لسائر أغنياته التي عبر من خلالها عن تجارب كثيرة، تتطابق تماماً مع تجارب الآخرين، رغم غياب الشفيع قبل أكثر من عشرين عاماً..يرى الكثيرون أن الشفيع الذي تنحدر أصوله من شندي معقل الجعليين، اكتسب بفنه قومية عالية ذاع صيتها وعمت شهرتها الأرجاء، كانت بداياته هناك، قبل أن تأتي إنطلاقته على نطاق واسع، ليصبح واحداً من أشهر المطربين الحقيقيين في البلاد، الذين تخصصوا دون سواهم في نشر المباهج وإضفاء الفرح بين جنبات النفوس المجدبة.. عوامل شتى كانت ذات أثر بالغ في بدايات الشفيع وتكوينه الفني، أولها وأهمها البيئة الدينية التي نشأ فيها، كان والده مادحاً، تعلق الشفيع بوجود الصوفية هناك، فانضم باكراً للطريقة القادرية، حيث المديح وإيقاع النوبات، ثم انخرط بقوة في منظومة شباب الختمية، التي اعتمدت عليه وآخرين، في ترديد، الراتب والمولد والبراق، ومدائح الطريقة التي ألفها ووضع أساسها (الختم) الكبير، قويت النزعة الدينية عند الشفيع بحرصه على رفع آذان الصلوات بمسجد حوش بانقا نحو عام أو يزيد.. كان عثمان الشفيع- يرحمه الله- مثل غيره من كبار المبدعين صاحب مهنة معلومة، اتخذ من ماكينة الخياطة في سوق شندي إيقاعاً جاذباً تجري على روايته الألحان والأغنيات، التي كان يرددها قبل ظهوره كفنان معروف، بدأ رحلة الفنون مع مجموعة من الأصحاب، منهم علي الأمين، وصالح شيخ العرب، الأخير ارتبط اسمه بالشفيع في عدد من الأغنيات، قبل أن يولي ظهره ساحة الغناء، أشهرها حضورهما بشندي ليلة الطرب الكبرى عام 1939م التي أحياها كرومة، وعمر البنا، وعوض شمبات، خرجا منها وبين أيديهما أغنية (ناعس الأجفان) التي كتبها عتيق ببورتسودان عام 1936م..أصبح الشفيع قبل مغادرة شندي مقيداً بما تبثه الأسطوانات ومن بعدها إذاعة أم درمان، التي لم يكن سماعها متوفراً وقتذاك، إلا من خلال أجهزة الراديو الموجودة فقط في المقاهي الشهيرة، أعجب الشفيع بما كان يسمعه من أغنيات الكاشف وأحمد المصطفى وحسن عطية، اعتزم وقتها أن يكون مثلهم، فسعى الى تعلم العزف على العود، حتى كان من البارعين فيه، التقى الشفيع بالشاعر مبارك المغربي والملحن علاء الدين حمزة صدفة في مدينة كريمة، أثناء عبوره الى دنقلا للمشاركة في إحدى المناسبات، عاد من رحلته وفي حوزته أولى أغنياته(الباسم الفتان) التي خصه بها شاعرها المغربي، غناها الشفيع لأول مرة لحظة دخوله الإذاعة عام 1943م، لتبدأ بعدها مرحلته الجديدة مع شاعر صداح كردفان محمد عوض القرشي في الأبيض عام 1944م، حيث إنهمرت جداول الغناء العذب، في ثنائية مبهرة ومعروفة، جمعت بين القرشي والشفيع لتنعكس آثارها علاقة قوية مازالت تحكم الأسرتين، رغم غياب النجمين الكبيرين.. اهتم القرشي والشفيع بالجوانب الوطنية، فجاءت كثير من أغنياتهما تحمل معاني الولاء المطلق لوطن الجدود، في زمن كان الاستعمار بعنفوانه يجثم على صدر البلاد، ساهما مع غيرهما من الشعراء والمطربين في الالتزام بالوفاء للتراب الغالي، كفاحاً مستميتاً حتى تكللت الجهود بطرد المستعمر ونيل الاستقلال عام 1956م، كان الشفيع من أوائل الفنانين الذين وثقوا غنائياً لملامح تلك المرحلة من خلال أهزوجته.. أحرار أحرار في بلاد حرة، التي كتبها أسماعيل خورشيد عشية خروج المستعمرين، وغناها الشفيع عبر أثير الإذاعة مساهمة منه يوم الفرح الكبير.. كان الشفيع عليه الرحمة، وفياً ومخلصاً لأبعد الحدود، يذكر لزملائه من الفنانين والعازفين فضلهم ودورهم ومكابدتهم في إرساء دعائم الفن الأصيل، كان كريماً كما الطائي، قل أن تخلو داره من الضيوف، امتهن الشفيع في حياته أعمالاً كثيرة، بين التجارة والتاكسي والطاحونة ومتجر بيع الغاز، وفر من رزقه الحلال الرفاهية لأسرته من متطلبات العيش الكريم، الفن عنده لا يخرج من بوابات الهواية، لايبتغي من ورائه مالاً ولا يريد ثروة يكتنزها، رحل مستور الحال، فيما هجم غيره على إرثه التليد ليحققوا لأنفسهم المال الوفير دون أن يحرصوا على اثبات حتى الحقوق الأدبية لفنان الذكريات، أدى الشفيع دوره كاملاً، تجاه وطنه وفنه وأسرته، على أكمل الوجوه، مات قبل تمانية وعشرين عاماً، وبالطبع لم تمت خصاله وأفعاله وأخلاقه الحميدة، التي ستروى لقادم الأجيال تقدمه الصفوف، كواحد من الرواد كتب اسمه بمداد الصدق بين زمرة أصدقائه من الساسة والفنانين ونجوم المجتمع من طلائع المثقفين.. اللهم أرحمه وأحسن عاقبته، وأجعل بركاتك في ذريته وأهله، رحمة يتواصل أجرها وثوابها الى أن يقوم الناس لرب العالمين..}{}
قراء 106 مرات

صفحتنا على الفيسبوك

الى الاعلي