تلفون : 83741732 بريد الكتروني :Contact@akhirlahza.net فاكس : 83793073 - 83740992
الخرطوم ,

حل الأزمة الإقتصادية سياسي

 

تقرير:عمر البكري أبو حراز

 

علم الإقتصاد هو إدارة موارد وثروات كل دولة بصورة تحقق التوازن بين العرض والطلب.. العرض يشمل الاستغلال الأمثل لموارد الدولة وثرواتها الطبيعية وتحويلها الى منتجات وخدمات يحتاجها طلب المواطن.. في ذلك برزت نظريات عديدة تقع بين أكبر نظريتين اقتصاديتين- الأولى وضعها العالم الاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث (1723-1790) في كتابه الشهير ثراء الأمم

‏(Wealth of Nations)-1776 والعالم الألماني كارل ماركس (1818-1883) في كتابه رأس المال (1867)- كتاب آدم سميث أصبح يمثل القاعدة الرئيسية التي انطلقت منها النظريات الإقتصادية الرأسمالية؛ لأنه أول من أسس للعلاقة بين ثلاثية الأرض، العمل ورأس المال، والتي منها جاءت نظريات السوق الحر وهيمنة القطاع الخاص على الإقتصاد- نظرية كارل ماركس- أسست للإقتصاد الاشتراكي الذي يدعو الى هيمنة الدولة على ثلاثية الأرض والعمل ورأس المال، فيما تطورت نظرية آدم سميث الى مدارس عديدة ونظريات جديدة يدار بها اقتصاد العالم اليوم.. فيما اندثرت نظرية ماركس ولم تعد مطبقة إلا في عدد قليل من الدول مثل كوبا.. من هذه المقدمة نخلص الى أن هناك عدة مدارس اقتصادية نجحت في تنمية اقتصاد دول كبرى، وكلها مستمدة تطبيقاتها وفق فلسفة آدم سميث الأولى، لكن معدلة حسب ظروف وواقع كل دولة.. أدت تلك التطبيقات الى تصنيف العالم الى ثلاثة: الأول، الثاني والثالث- الأول على قمته أمريكا وكل دول أوروبا وأخيراً الصين.. العالم الثاني تمثله دول مثل الهند، دول أمريكا اللاتينية، كوريا الجنوبية، تايوان، ماليزيا، اندونيسيا، تايلاند وخلافها.. العالم الثالث هو معظم دول افريقيا التي أقعدتها الحروبات الأهلية، المجاعات، الأمراض والسياسات الاقتصادية غير المناسبة المفروضة بواسطة أنظمة حكم شمولية أو دكتاتورية، لم تراعِ مصالح شعوبها، ولم تستغل مواردها وثرواتها الاستغلال السليم، بل راعت مصالح أفراد، وبذلك عمّ الفساد الذي أهدر تلك الموارد.
نحن في السودان الآن يتحدث كبار القادة عن فشل كل برامج الاقتصاد وسياساته حتى بلغ العجز في الميزان التجاري قرابة الأربعة مليارات من الدولارات في السنوات الأخيرة، وتدنت قيمة العملة الوطنية الى مستويات خطيرة.. أوردت صحيفة آخر لحظة في عدد الخميس 14 ديسمبر أن النائب الأول لرئيس الجمهورية الفريق أول ركن بكري حسن صالح قال: (إن الإقتصاد بحاجة الى موارد حقيقية ومراجعة وشفافية تظهر العجز لمعالجته، وأقر بقصور صاحب تنفيذ البرنامج الخماسي، وضعف رواتب العاملين في الدولة، وقالت الدكتورة انتصار أبو ناجمة رئيسة قطاع الفكر والثقافة في المؤتمر الوطني في المؤتمر الصحفي بمنبر سونا يوم الأربعاء 13 ديسمبر (إن انعقاد المؤتمر الفكري الذي سيقيمه القطاع هذا الشهر من أهدافه جمع شباب لديهم رؤية اقتصادية تساعد في النهوض بالاقتصاد، وأضافت أنه لم يتم الاستغلال الصحيح لموارد البلاد في فترة تصدير النفط وتحويلها الى ثروات مستدامة.).
هذان التصريحان يضعان ضوءاً مطلوباً في آخر نفق التدهور الاقتصادي الحالي. ندلي بدلونا تجاه هذين التصريحين من النائب الأول ورئيسة قطاع الفكر حتى يحققا أهدافهما:
أولاً: يجب أن نعترف بضرورة تغيير كل الطاقم الاقتصادي الذي عمل في كل الوزارات والمؤسسات الاقتصادية في السودان منذ العام 1989 وإبعاد من تبقى منهم، وكل من يحمل أفكارهم تماماً، ذلك ليس لأنهم غير مؤهلين أكاديمياً أو عملياً بل لأنهم أصبحوا يدورون في حلقة واحدة ضيقة تتكرر فيها الأخطاء وتتعاظم النتائج السالبة، وقديماً قال العالم أنشتاين: (الجنون هو أن تكرر الخطأ نفسه وتتوقع نتائج مغايرة.).
ثانياً: من أمثلة هذا الدوران في حلقة ضيقة هو اللجوء الى الحل الأمني في معالجة أزمة اقتصادية بحتة وهي أزمة ارتفاع سعر الدولار.. الحل الأمني سيفاقم الأزمة لأنه يحدث شحاً قاتلاً في الدولار المتوفر من مصادر غير معلومة، ولكنها نجحت في الحفاظ على الاقتصاد من الإنهيار الكامل وتوفر السلع الثلاث الرئيسية- الدقيق، البترول، والأدوية.
ومع كل هذه الإجراءات الأمنية لم ينخفض سعر الدولار، وظل يراوح حوالي ستة وعشرين جنيهاً في الداخل، وحوالي الثلاثين في الخارج.
ثالثاً: لجأت نفس تلك العقول الى (الحيطة القصيرة) وهي حظر استيراد 19 سلعة وكلها سلعٌ تستهلكها شريحة في المجتمع لا تتعدى نصف في المائة، وتكلفة استيرادها بضع مئات من ملايين الدولارات لا تؤثر في خفض عجز يبلغ أربعة مليارات من الدولارات.
 ومن جانب آخر حجبت مصدراً من مصادر الجمارك التي تعتمد عليها الميزانية- مصدر العجز الحقيقي في استيراد العربات والاسبيرات والبترول، ونصيب الصرف الحكومي منها يبلغ حوالي 67%.. ماذا يعني حظر الفواكه، الأسماك وغيرها، وكم تبلغ تكلفتها التي يستورد بها البعض بكميات تناسب تلك الشريحة الرفيعة شكلاً ومضموناً في المجتمع.
رابعاً: يتحدث السيد وزير التجارة عن ضرورة الإنضمام الى التجارة الدولية وفي نفس الوقت يقوم بهدم أهم عنصر من عناصر الإنضمام اليها، وهو تحرير التجارة الصادرة والواردة من كل القيود، والتجارة الدولية لا تمنع فرض أي رسوم جمركية مهما كانت عالية في فترة سماح لبعض الدول تصل الى عشر سنوات تسمى فترة بناء القدرات
‏(Capacity Building)..
كان الأمثل أن لا تحظر أية سلعة، بل تضاف اليها رسوم جمركية عالية جداً تستفيد منها الغالبية العظمى من  المواطنين.
خامساً: يجب الإلتزام بسياسة اقتصاد السوق التي بدأها الخبير عبد الرحيم حمدي، وتحمل فيها نقداً لاذعاً بفشل السياسات، ولكن للحقيقة أن الفشل سببه ليس حمدي بل عدم الإلتزام بالسياسة كاملاً، والتدخل المستمر مثل ما حدث في الأيام الأخيرة عندما تم حظر السلع وتجفيف البلاد من الدولار.. هذه السياسة متكاملة مثل العلاج بالمضاد الحيوي يجب مواصلته حتى لو تحسن المريض.. هي سياسة قاسية في مراحلها الأولى، ولكنها قطعاً تؤدي الى التوازن بين العرض والطلب واستقرار سعر العملة.
سادساً: الآن الأزمة اقتصادية حلها العاجل المؤدي الى الاستدامة سياسي- لن تجدي أية معالجات بالمسكنات للأعراض دون معالجة المرض.. المرض هو إغفال تحويل ثروات ناضبة كانت متوفرة من العام 1999 حتى العام 2011 الى ثروات مستدامة في الزراعة، الثروة الحيوانية، البنيات التحتية والصناعة.
والآن لا يجدي البكاء على اللبن المسكوب، بل يجب انقاذ البلاد من انهيار اقتصادي وشيك بتحسين السياسة الخارجية وتحديد مساراتها، والإلتزام بهذه المسارات حتى نجني دعماً مالياً حقيقياً في أقرب فرصة، تعيدنا الى الاستفادة والاستغلال الأمثل لثرواتنا الأخرى غير البترولية في باطن الأرض وسطحها، والتي يتطلب تنفيذها وجني ثمارها فترة لا تقل عن خمس سنوات، لن يتحمل الموطن مراحلها حتى الحصاد وجني الثمار.

قراء 434 مرات

الطقس بالخرطوم

صفحتنا على الفيسبوك

احدث التعليقات

المتواجدون الان

1487 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

الى الاعلي