الخرطوم ,
تلفون : 83741732 بريد الكتروني :Contact@akhirlahza.net فاكس : 83793073 - 83740992

سيرة مغني

  معتز عبد الرازق في صعوده إلى السُهى مصعب محمد علي إذا أردت أن تشعر بالتآخي، والإلفة والإنصهار والتواصل فعليك بالطمبور.. هذه واحدة من وصايا المحبين، ويقولون إن أكثر ما يلفت الإنتباه فيه طقسه العاطفي الرهيب، الذي يفتح بينك وبينه نوافذ لراحة النفس، لتجد نفسك شفيفاً وتحقق مع نفسك سلاماً ومن بعد ذلك مع كل الناس، معه ستجد فسحة من الأمل، الذي يضيء عتمة الروح. والطمبور الذي ظل يتماهى مع صوت المغني، ويتعاطف مع روح الشعر هو الوحيد الذي لم يهزمه الجديد ويخرب مزاج محبيه، لأنك إذا جلست لتسمع ستدرك مدى هيبته وسطوته قد تسمع أن هناك مغنياً أصابته وعكة في صوته، أو أن إيقاعاً تبدلت ملامحه إلا الطمبور ومن غنى به فستجده مؤتمن على أسرار العباد الصالحين والطائشين معاً، فكم مرة سمعنا لوعة وعويلاً ومزاجا صفا، وآخر تعكر وكثيراً ما داوى جراح المتأذي وطيب خاطر «الحردان» وهذه هي قيمة الإبداع أن يجد الجميع مبتغاهم وأن ترى فيه نار المشاوير والمشاغبات والثرثرة والعتمة واللثغة والتأتأة وسترى في نفس الوقت بيوتاً مملوءة بدعاء الأحبة وبيوتاً إذا ضاقت بك النفس اذهب لتراها بيوت لا يضل فيها أحد بيوت تعرف كيف تخدم ضيوفها دون أن تشكي أو تبكي، ظلها يغطيك ونارها دفيئة جميلة نبيلة تعلمك الحنين والتواضع، بيوت لا تخاف الجرافات التي دائماً ما تحصد الذي يخاف العاصفة، بيوت إذا دخلتها تونس دون كلفة بيوت إذا دخلتها ولم تكتب عنها فأعرف انك شاعر نائم عن القصيدة وإذا ضاقت بك العبارة فأنظر إلى عيون الأطفال الذين يهرعون إلى خدمتك وإسعادك خاصة بالغناء الذي يجعل الحواس كلها تتحفز ليتسع الطيف غناء فيه رحابة وإتساع يعطيك أكثر من إحتمال لأن له قدرة جذب جارفة اللذة والجمال غناء يعبر بك نحو تخوم وفضاءات لا نهائية. كل هذا تأكد لي عندما سمعت معتز عبد الرازق والذي كلما غنى وضع امامك اكثر من سؤال ويتركك لتتوصل إلى الإجابة وكما قال شكسبير «إذا أردت أن تكون شاعراً أطرق أبواب نفسك، سل قلبك ماذا يعرف؟ وستسأل نفسك أيضاً، هل عند سماع الأغاني بمقدرونا محاولة القبض على المطلق وكيف يستطيع المغني أن يجعلك حيادياً رغم أن لكل واحد منا بصر له اكثر من إحتمال لكن الأمر المؤكد هنا ان معتز عبد الرازق استطاع اقتناص اللحظة، وبالفعل تفجرت مهارته وتجلت أولاً في العزف الذي ابتكر ادواته عندما أحال كرسي الخشب إلى طمبور وتماهى معه بالدندنة والتطريب. والده لاحظ مدى المحبة والتعلق بهذه الآلة الساحرة فما كان منه الا وأن وفر له طمبوراً صنعه بنفسه، وبذا وجد معتز الطفل صاحب الأربعة أعوام وقتها نفسه أمام أياد ممدودة لتساهم معه في بسط مشروعه الإبداعي فما أن تغني بأغنيات النعام آدم بداية حتى تأكد للذين من حوله ان معتز قد اختار الطريق الرحب الجميل. الناس الذين يحبونك عادة ما يدلونك على نفسك ويحمونك من العزلة، (كأنهم مطر خلف الزجاج) كما يقول محمود دريش وهكذا وجد حلمه ورضاه فأختار ان يغني «غُناه الطاعم» والغناء هو الأقرب إلى تكوينه لأن من خلاله صار يبتكر الأدوات الخلاقة والتي وصل معها إلى مداه من النضج. يحكي أن معتز بعد أن جاء من المملكة العربية السعودية الى السودان تحديداً منطقة «الكردة» ذهب صوب رجل إسمه «عبيد» وهو الوحيد في ذلك الوقت الذي كان يمتلك آلة الطمبور وعندها تكشفت أسرار المحبة والإفتتان ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم صار معتز والطمبور في رفقة كلاهما يجزل العطاء لصاحبه، فإذا أراد معتز الإبتكار صار الطمبور طيعاً هيناً معه كماء تسيل الألحان كأنه شلال يتدفق من أعلى الى أسفل ومن يسمعه يعيش حالات من مراقي الطرب ساعده في ذلك نضجه ووعيه بضرورة الإختيار للأغنيات التي تلامس الوجدان وتجعل الواحد منا أكثر رهافة عند الإستماع... فعندما غنى معتز في طابور المدرسة الصباحي قرر المعلمون أن يمهدوا له الطريق في حفره المستمر ليحلق صوت هذا المغني في الفضاءات الأكثر رحابة وبالفعل شارك في اول مسابقة مدرسية وكان أن فاز واشير له بالنبوغ، فعلّم اصدقائه كيف يضبطون الإيقاع ويلهبون حماسة السامع لهم بحلو التصفيق، الأجمل ان إيقاع الدليب رغم خصوصية «كمنطقة» إلا أن الإبداع دائماً ما يقدر على التجاور والتأثير ففعل فعله حين أسر محبي الأغنيات من الأطفال «أصدقائه» الذين جاءوا من مناطق شتى وهكذا اوجد الإنصهار والإندماج العظيم فكانت المشاركة التي خلقت عالماً ماتعاً وباهراً لم تحجز الواحد منهم في حيز ضيق بل إتسعت عبر منفذ الغناء الرحب، وهكذا سار معتز في دروب وفجاج الغناء التي دخل بها إلى نار الزغاريد والأعراس، وبدأ يتحلق حوله المعجبون ويتساموا مع غنائه، المنحاز لمشاعر الإنسان والتي أن شئت قل : الحواس الستة.. وإذا أردت وصفاً أدل قل ستجد الثنائيات العظيمة، الحزن والفرح، البكاء والضحك، الإستكانة والتعب، الخوف والإطمئنان، وماجعل الشاعر الكرفابي يطمئن على أغنياته انه سمع معتز يغني «أمونة بت الشيخ حمد» سمعه ففتن بجمال صوته، فوقف ليسمع ومن ثم قرر الإلتقاء به وبعد ان انتهي من الأغنية قال له الكرفابي بعد أن شد عليه يده معجباً «تعال.. سأدلك على الطريق وتصبح بعدها فناناً يشار إليه بالبنان» وهكذا التقى معتز شعراء انتج معهم ملامح مشروعه الغنائى فأنفتحت له المنابر على إتساعها والصعود إلى المنابر مثل الصعود إلى السهى. وبذا حلق وتألق معتز فألف الغناء وتآلف مع ألحانه ومحبيه وانفتحت له الدروب والفجاج.
قراء 937 مرات

المزيد في هذا القسم:

صفحتنا على الفيسبوك

الى الاعلي