الخرطوم ,
تلفون : 83741732 بريد الكتروني :Contact@akhirlahza.net فاكس : 83793073 - 83740992
ثقافة

ثقافة (6)

كنا لا نحب الليل رغبة في نهار المدرسة

صورة من قريب لصلاح إبراهيم كان الميلاد في قرية وادعة في الطرف القصي من شمال دارفور عندما لفظت الخمسينيات انفاسها، تلك القرية المدينة، كانت ومازالت تسمى «كُتم»، وقد لقبها الشاعر الغنائي المعروف، مبارك المغربي في قصيدة له، لقبها بعذراء دارفور، ربما لأنها واحة تحيط بها الوديان إحاطة السوار بالمعصم الغض، وهي ذات نخيل فارعات وساقية عظيمة تكتسي قواديس لاتعد ولا تحصى، كانت امتداداً لمناخ جبل مرة وبها جبل «وانا» الذي تكون من الحمم البركانية لجبل مرة فضلاً عن انها تماثل بيئة شمال السودان، ولعل العذرية قيمة ثقافية واخلاقية. بدايات طلب العلم كانت بكتم بمدرسة تسمى «النصفية» وهي مدرسة اولية في ذلك الزمان ثم تم الانتقال الى قرية «كورما» بحكم عمل الوالد الذي كان «حكمداراً للنقطة» توغلت رويداً في الاولية، اراكم السنين باتجاه السنة الرابعة، حينئذ التقيت الاستاذ إبراهيم محمد مختار من «عبري» في اقصى شمال السودان، كان ذلك اللقاء نقطة تحول في حياتي وبوصلة تشير الى مقبل الايام. كان إبراهيم، استاذاً مجيداً، مغنياً بارعاً، عازفاً ماهراً على آلة العود، يتقن تجليد الكتب، درامياً عطوفاً ورياضياً لايشق له غبار، على يديه راينا الشمالية قبل ان نأتي اليها من خلال رسوماته التي يظهر فيها النخل والنيل وشباك الصيد والمراكب الشراعية الصغيرة، كانت اللوحات ناطقة حتى تكاد ان تسمع حفيف النخل ونغمات الطمبور على الشط المقابل، أكلنا معه «تركين» الشمال ونحن في أقصى الغرب وارتقت ذائقتنا في كثير من ضروب الفنون وتعلقت افئدتنا اليافعة بالمدرسة حتى غدونا لانحب الليل رغبة في نهار المدرسة، تلك حقبة غطت الستينيات بكاملها ثم عدنا الى الفاشر الكبير كرة اخرى واستقر بنا الحال والقى الوالد عصا التسيار. الانتقال الى الفاشر كان يغطي عقداً جديداً ينطلق من نهاية الستينيات مغادراً نحو نهاية السبعينيات حللنا في الفاشر بالمدرسة المزدوجة التي أسست في العام 1916م، بعد مقتل السلطان علي دينار بقليل على يد الانجليز. شهدت هذه الفترة تغيير السلم التعليمي ابان نظام نميري على يد الدكتور محيي الدين صابر وكنا ـ كجيل ـ أول من جرب عليه هذا التحول فمررنا الى المتوسط عبر خامسة وسادسة. في المزدوجة التقينا الاستاذ وقتها والبروفيسور حالياً سليمان يحيى محمد وتتلمذنا عليه في مجال الرسم والرياضة والاناقة، وقد افدت كثيراً من رسمه وافكاره وتكليفه لي برسم الوسائل وتلوينها مما شكل تدريباً مبكراً ساهم في مسيرتي اثناء وبعد كلية الفنون. بنهاية السبعينيات اطلت حقبة كلية الفنون الجميلة والتطبيقية التي كانت حلماً   منذ فترة الثانوي، في هذه الفترة تشرفت بلقاء الاستاذ مصطفى الشفيع الذي تخرج في كلية الفنون ـ قسم طباعة المنسوجات، كان مجيداً جداً في الرسم والتلوين والرسم على الجلد بالكاوية، وكنت محفوظاً اذ تلقيت على يديه الكثير من التقنيات ومعرفة الخامات والادوات واستنباط الالوان. في فترة الثانوي اقمت العديد من المعارض، كانت اللوحة تتكون من اطار خشبي مشدود عليه الدمورية المجهزة بتراب الزنك ومادة الغراء، يتم التلوين بالالوان المائية التي نحولها الى غواش، وايضاً كنا ننحت العرائس من جذوع نبات القفل ونصب الجبس على الاواني المنزلية المزخرفة باشكال الحيوانات ونلونها. في فترة كلية الفنون تم توطين كل هذه الافكار والتجارب وتم صقلها اضافة إلى المعارف النظرية المتعلقة بالفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الفنون، وأدركت ان الانسان يتعلم من ثلاثة مصادر اساسية وهي: التاريخ والطبيعة والتجربة الذاتية. الفنان صلاح إبراهيم الان بصدد اقامة معرض «ملونات» في بابا كوستا شارع الجمهورية الأحد 3/مايو القادم.. حول هذا المعرض يقول صلاح: يحتوي المعرض على ثلاثين لوحة منفذة بالالوان المائية، والورق من القطع الوسيط. اتابع فيه ذات المبحث حول الاسلوب من ناحية شكلية والمحتوى المتعلق بالاسطورة والاحاجي وقصص الاطفال والتأليف السردي الخاص بي كخطاب بصري، يعتمد على ذات المفردات التي تشكل قاموساً، مازلت اعمل على تفصيحه.. يعتبر الفنان صلاح ان طبيعة الفن في السودان من وجهة نظر ثقافية، هو فن سردي في الدرجة الاولى، نسبة للمرتكزات الشعبية التي تستمد وجدانها من حكاوي الحبوبات واحاجي الشيوخ والواقع الذي يماثل امريكا اللاتينية فيما يسمى بالواقعية السحرية لانه هنا ايضاً يتم خلط الواقع بالاسطورة. في زمن باكر صلاح كان لا يحب الليل وهذا امر يتماهي مع الرغبة في الوجود في المدرسة لمتابعة اعمال الاستاذ ابراهيم. هذا بداية، ومؤخراً ارتبطت هذه الرؤية بالتعلق باللون ونشدان الضوء في كل لحظة، لأن الليل من ناحية فيزيائية يعني حالة انعدام الالوان ورغم ان النهار قد يوفر مناظر غاية في القبح سواء كان ذلك القبح متعلقاً بسلوك الناس او عدم الاهتمام بصحة البيئة او عدم التخطيط الجيد للمدن او انعدام ثقافة التشجير الى اخرى من اشكال غاية في القبح إلا أن هذه نتائج لكن الاسباب تكمن في التربية اولاً والتربية الفنية تحديداً، وفي هذا الصدد تقول سوزان لانجر عالمة الجمال الامريكية ذات الاصل الالماني: إن اغفال التنشئة الوجدانية جريمة حضارية. صلاح هو احد المشتغلين والمهتمين بالحديث والكتابة حول الثنائيات التي كتب حولها الفلاسفة والمفكرون، صلاح قال: ان الثنائيات ضرورة من ضروريات الوجود، هي ضرورة في المقام الاول لتأكيد وحدانية الله ولكنها ـ هذه الثنائيات ـ احياناً لايمكن ان يتم فصلها مكانيكياً بمعنى ان نقول هذا جميل وهذا قبيح ولنضرب مثلاً للحركة، فالحركة تبدأ من السكون والسكون نفسه درجة من درجات الحركة، وهذا الحديث ينطبق على كل الثنائيات ـ ليل ونهار ـ ساخن بارد ـ موجود وغائب وهكذا. القراءات المتعمقة والتفكير المطول دفعت صلاح الى ان يتخذ موقفاً نقدياً من بعض المصطلحات المتداولة مثل «متلقي، معاناة، مزاج» يرى ان كلمة مثل ملتقي فيها بعد تحقيري للمستفيد من العمل الفني، لأننا حينما نقول عملاً فنياً لابد ان يقوم على ثلاثة اضلاع، وهي العمل نفسه ومنتجه والمستفيد منه، وإذا غاب أي ضلع من هذه الاضلاع فليس هناك ثمة عمل فني، لذا لايمكن ان نقول لضلع أصيل انه متلقي، لأن التلقي عادة صفة تطلق على طلاب يجلسون على مقاعد الدرس ويمارس احدهم استاذية من نوع ما عليهم. وكلمة معاناة ايضاً مصطلح اسيئ فهمه كثيراً لأن المعاناة في الفن حسب تقديري هي ان توجد حلولاً لمشاكلك داخل العمل الفني وليس خارجه، أما بالنسبة للمزاج فهو كلمة يتخذ منها الكسالى ملاذاً والعمل الفني هو عمل يحتاج جهداً ومثابرة وكاي مهنة تحتاج الى معرفة حيل وتتلمذ وشيوخ طالما أن هناك امكانية لانتاج نظرية معرفية من الممكن ان ينتج صلاح  وله في ذلك أكثر من حافز. ـ الشرط الاساسي في الابداع هو التميز ولكي تتميز من اجل ان تضيف لابد ان يكون لك موقفاً نقدياً من مجمل الظاهرة الفنية التي تعمل من خلالها، وهذا الحديث نعني به انه لابد من الوقوف على تاريخ الظاهرة ومنعطفاتها وحقبها التاريخية المعينة محلياً وإنسانياً، وهذا الامر يتطلب مشقة كبيرة ومثابرة وتحلي بروح غاية في المسؤولية الاخلاقية لكي تتمكن من صياغة افكار نظرية تكون هادية لك في التجربة الذاتية. تحدث كثيرون حول جدوى وضرورة الفن والابداع في المجتمعات، هناك من يرى ضرورتها وهناك من لا يرى ذلك.. صلاح له اكثر من موقع معلم وفنان تشكيلي وكاتب كيف يرى الامر. أولاً الفن ينتج في اطار اجتماعي يؤخذ من الناس بطريقة موضوعية ويرتد اليهم بطريقة ذاتية أي من قبل الفنان لذا بالطبع لابد ان يكون له دوراً اجتماعياً وكلنا نعلم أن الفن كان ومازال ناشئاً في خدمة الديانات الوضعية منها والسماوية، والفن أداة لقياس الحضارات كما ان الفن صنوٍ للخير ومحفز لادراك الذات الالهية وهي الجمال المطلق والفن (الجيد) يولد في الناس حس العبادة، اذ انك عندما ترى او تسمع عملاً اكثر جذباً فأبسط رد فعل تنتجه ان تقول: يا الله. والابداع في تعريف بسيط هو ايجاد شئ على غير مثال، وهذه نفسها واحدة من الاشياء الملهمة لآخرين وهذا دور للفن أيضاً. أي أن يكون مصدر إلهام       \\\ ملامح  عبدالعزيز بركة ساكن الدنيا زائلة   قالت لي أمي في الحلم، - الدنيا زائلة يا ولدي. قلت لها و أنا نائم -   نحن الزائلون   حاولت أن تبتسم ، لكن الموتى في الحلم عادة لا يستطيعون الابتسام لأن هرموناً خاصاً بانفراجة الفم في تلك الصورة السحرية لا يتم إنتاجه في الحلم، ثم وقف الموتى صفاً واحداً أمامي: جدي عبد الكريم، جبران خليل جبران، حبوبة حريرة، محمد مستجاب، علاء الدين الشاذلي، الكيوكة الصغيرة، قدورة جبرين، نادية، أبوقنبور، محمد عثمان، خديجة، مرجان كافي كانو، محي جابر عطية، عم موسي، انتصار، أبو ذر الغفاري، علي المك، وولت ويتمان، إخلاص أبو غزالة، عمر إبراهيم، قالوا بصوت واحد - الدنيا زائلة. قلت لهم، - يا أيها الموتى، قلت لهم اسماً اسما،ً - يا أيها الموتى، الدنيا مازلت باقية. وقف سجان نزق بيني و محمود محمد طه، استل من بين قلبه و عقله محبرة، كان الشيخ نحيفاً وجميلاً، مكان عينيه الدنيا كلها تزول تدريجياً و تتلاشي، لكن دون انتهاء، قال لي في الحلم، - افتتانك بالحق فوت عليك إدراك عين الحق. قلت له و أنا نائم، - سمي لي القتلة حرفاً حرفاً و الحق حرفاً حرفاً، العدل و المظلمة والروح حرفاً حرفاً.. قال لي في الحلم، - اقرأ.. ذات الشيء، يسقط عنك حجاب الشئ، حرفاً حرفاً . قلت له و أنا نائم، - بسم الله الرحمن الرحيم. قال لي في الحلم و كاد أن يبتسم، - إذاً، ما هو لون الحقيقة؟ قلت له و أنا نائم، - أسود. قال لي في الحلم، - إذاً، ما هو لون العدل و المظلمة و الروح، ما هو لون مسك الأنفس؟ قلت له و أنا نائم، - أسود. قال لي في الحلم، - إذاً، ما هو لون الجهات الست ؟ حينها فقط تنزلت علي الأحرف الوسطي من أسماء القتلة، جاءت تعوم في سيل من الدم، أخذ يحيط بي و أنا نائم، أفادني صف الموتى في شيئين: إن الدنيا   زائلة، الشيء الآخر، أن الموتى لا يبتسمون، الشيء الآخر، أن ذاكرة الموتى محشوة بالأحياء. قالت لي أمي في الحلم، - سوف لن تنجو من الموت، الأشجار، الطين، و الهوام كلها لا تحميك، و أنت إذ تهرب من الموت تذهب إليه. بكيت، عندما استيقظت وجدتهم جميعاً يصطفون أمامي، تماماً مثلما كانو في الحلم، لم يهتم أحد بما كنت أثرثر فيه، لم يفسر أحد لي شيئا، و لم يضحكني نداء المنادي: أنت، يا أحد الموتى.
الى الاعلي