تلفون : 83741732 بريد الكتروني :Contact@akhirlahza.net فاكس : 83793073 - 83740992
الخرطوم ,

ارتفاع الأسعار وجموح الأسواق 

ارتفاع الأسعار وجموح الأسواق 

 

أحوال الناس.. يوميات مواطن سوداني!!

 

العديد من الأسئلة يحملها كل مواطن في ظل الأزمة الاقتصادية التي ظلت حلقاتها مستحكمة على المعيشة، بل ضاقت بها إلى الحد النهائي بعد أن ظل الوضع الاقتصادي في حالة تضخم مستمر وارتفاع متوالٍ للأسعار خاصة تلك التي تم رفع الدعم عنها مما فاقم من أصل المشكلة، أسئلة لا تحتاج إلى إجابة بقدر ما تحتاج إلى فعل يعالج جذور الأزمة ويضعها في البداية الصحيحة للإصلاح الاقتصادي لمعالجة معاش الناس، آخر لحظة تجولت وسط عامة الشعب للوقوف حول الأثر الاقتصادي على أحوال الناس بالعاصمة الخرطوم، وأثر ذلك على الولايات باعتبار أن العاصمة هي مركز القرار.

استطلاع: عيسى جديد 

(السوق بقى نار حمرا) هكذا يقول محمد أحمد وهو يعدل طاقيته الخضراء ذات النزعة الصوفية، بينما تركيزه على المارة عل أحدهم يتشري منه خضرواته البسيطة (طماطم، بصل، جرجير) وهو يفترش رصيف سوق ستة بالحاج يوسف، لكن الناظر إلى أحوال الناس يدرك تماماً كيف يبدو المشهد الآن، فملامح التيه الواضحة في العيون، وسعي المواطنين الدؤوب منذ الفجر للبحث عن لقمة عيش ورزق حلال في العاصمة الخرطوم، يعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي استحكمت حلقاتها على الناس منذ أن بدأت الحكومة في تطبيق سياسة رفع الدعم وتحرير الأسعار مما أدى إلى جموح السوق بطريقة متوالية، وكذلك غلاء المواد الضرورية من سلع غذائية وغيرها من المواد الاستهلاكية، إلى ارتفاع تعرفة المواصلات وتذاكر السفر الداخلية والخارجية براً وجواً، الشاهد أن كل هذا يحدث منذ فترة في تطبيق سياسة رفع الدعم عن السلع تدريجياً دون الوصول إلى نتائج إيجابية تحل المعضلة الاقتصادية وتريح كاهل المواطن الذي ظل يعاني على الدوام، وزاد عليه أخيراً تحرير سعر الدواء مما خلق مشكلة جديدة في مواجهة وعلاج الأمراض التي ضربت في جسده المنهك أصلاً بطبيعة الحال، الباحث عن عمل ومصدر رزق مقابل القليل من التعويض الغذائي الضروري لبناء الجسم وتأمين الصحة، بيد أن بعض التقارير الطبية تشير إلى انتشار أمراض سوء التغذية وفقر الدم وسط العديد من المواطنين بسبب الأحوال الاقتصادية الصعبة وعدم توفر وجبات غذائية أساسية يومية نتيجة للغلاء الطاحن

*جموح الأسعار المتوالي 

في ظل سياسة التحرير الاقتصادي وغياب التسعيرة الموحدة؛ يساهم الوسطاء والسماسرة بنسبة 80% في غلاء الأسعار، وفي قراءة سريعة لأسعار بعض السلع بتاريخ اليوم واحتمال تغيرها غداً، وهي كالتالي بعد جولة استطلاعية في السوق، نجد أن رطل الشاي =٢٠ صابون غسيل =، معجون الاسنان أبووردة صغير=١٠ جنيهات وطلب فول سادة = ٢٠ جنيهاً، صابون بودرة صغير 4 جنيهات والمتوسط 10 جنيهات.

وفي قراءة للمنصرفات اليومية كحد أدنى لأي بيت سوداني مكون من ٦ أفراد، ٤ أبناء ووالدين.. نجد هذه التفاصيل العادية لتعكس لنا مدى جموح الأسعار وتكلفتها للبيت الواحد وهي كالآتي: ٣٠ رغيفة  في اليوم، في الشهر٣٠ × ٣٠ = ٩٠٠ ج اللحم فقط ٤ كيلو في الشهر ٤ × ١٠٠ = ٤٠٠ ج، أسطوانة غاز واحدة في الشهر ١ × ١٥٠ =250 ج، كهرباء للأضاءة فقط   + موية ٣٥ + ١٢٥ = 160 ج، خضروات نفترض ٢٠ في اليوم، في الشهر ٢٠× ٣٠ = ٦٠٠ ج لوازم طبيخ تقريباً ١٥ في اليوم، في الشهر١٥ × ٣٠ = ٤٥٠ جنيهاً، أما لوازم النظافة الشخصية ١٠ × ٢٠ = ٢٠٠ وسكر شاي تقريباً ١٠ ج في اليوم، في الشهر١٠ × ٣٠ = ٣٠٠ ج، ولبن ٢٠ ج في اليوم، ٢٠ × ٣٠ = ٦٠٠ ج ، أما المواصلات فحسابها البيت كله ٢٠ ج اليوم، ٢٠ × ٣٠ = ٦٠٠ ج، إذن الإجمالي = ٤٣٥٠ ج كمنصرفات، هذا بدون منصرفات العلاج والتعليم واللبس والأكل خارج البيت، وهنالك من يسكن بالإيجار، لأن حساب قيمة الإيجار تختلف حسب المنطقة.

*المواطنون تحت خط الفقر 

 لا أحد يعلم كم تبلغ نسبة المتأثرين بالأزمة الاقتصادية الحالية بالبلاد، لكن بحسب خبراء اقتصاديين، أن نسبة الفقر تفاقمت وضربت حتى الطبقة الوسطى التي كانت محافظة على تماسك المجتمع وأن الوضع الآن صراع طبقتين فقط، طبقة غنية وطبقة فقيرة واقتصاد جامح لا يرحم وسياسات اقتصادية غير ناجعة، وقبل أكثر من شهر مضى أثار إعلان وزارة الرعاية الاجتماعية عن تراجع نسبة الفقر في السودان إلى ٢٨٪، جدلاً واسعاً في أوساط المراقبين، الذين شككوا في أرقام الدراسة ونتائجها، نظراً إلى تفاقم الوضع المعيشي، وارتفاع نسب البطالة، وازدياد أعداد النازحين في مناطق النزاع، وتزايد الهجرة من الريف إلى المدن، الدراسة حكومية التي صدرت مؤخراً من مركز الإحصاء  بينت أن نسبة الفقر تراجعت في البلاد إلى نسبة ٢٨٪، في حين سجلت التقديرات الرسمية للفقر عام ٢٠٠٩ نسبة ٤٦٪، مما أظهر حالة الجدل حول النسبة الآن وتفاقهم وسط الأزمة الاقتصادية المتصاعدة، والشاهد أن الضائقة اقتصادية بحسب خبراء اقتصاديين أثرت بشكل مباشر على غالبية الشعب السوداني بعد انفصال جنوب السودان،وذلك إثر سحب إيرادات النفط من موازنة الدولة التي كانت تغطي ٧٤٪، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار العملات الصعبة أكثر من الضعف، وزيادة أسعار السلع الاستهلاكية ثلاثة أضعاف.  

ويظل السؤال: على من تقع مسؤولية كل هذا التدهور الاقتصادي، يبدو وكأنه لا يحتاج إلى إجابة، يرد ساخراً المواطن حسن إبراهيم الموظف بإحدى وزارات الدولة وهو يقول (لآخر لحظة) واضح أن الحكومة فشلت في تطبيق سياسة اقتصادية تخرج البلاد من أزمتها، وتوقف الإنتاج الزراعي والحيواني والصناعي أكبر دليل على الفشل، ويتساءل حسن متهكماً: كنا نصدر القطن والقمح والسمسم، ونصدر الماشية والصمغ العربي قبل استخراج البترول، ومشاريعنا الزراعية ناجحة والدولار مستقر، أنظر أين صرنا بعد تطبيق سياسة التحرير وانهيار كل المشاريع الاقتصادية بالبلاد، وأصبحنا نعتمد على الاستيراد وأهملنا الإنتاج بسبب السياسات الإيرادية والضرائب على المزارعين، والآن هذه هي النتيجة بلد مستهلك وغير منتج واقتصاد مترنح وإسعافات لا تجدي والمسؤول واحد لا غير له وهو الحكومة وسياساتها

*قراءات الخبراء الاقتصاديين 

يقول الخبير الاقتصادي علي التجاني والأستاذ بجامعة النيلين إن جل مشاكل الاقتصاد التي عصفت بالأوضاع نتيجة لغياب السياسات النقدية الناجعة، بجانب سياسة الحكومة التوسعية في ما يعرف بالسوق الموازي وتحرير الأسعار، مع خلق فجوة كبيرة بين العرض والطلب وارتفعت بسببها الأسعار بشكل متوالٍ، مشيراً أيضاً إلى فشل البرنامج الخماسي الاقتصادي الحكومي لعدم تطبيقه على أرض الواقع وتخطيه بالتجاوزات والإجراءات المالية في مختلف المضاربات، مما أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم، مضيفاً أن تأثير سعر العملة الأجنبية وارتفاعها المتواصل أيضاً ساهم في تفاقم المشكل الاقتصادي، مما أدى إلى جموح جنوني وعدم استقرار مالي للسلع المختلفة، وكل هذا أرهق جيب المواطن البسيط الذي يكدح من الصباح حتى المساء ليوفر قوت يومه ويظل في حالة لهاث دائم دون فائدة، ويقول إن الزيادات الأخيرة والتي جاءت متوالية في كثير من الإجراءات عقب القرارات الاقتصادية الأخيرة، حيث شملت زيادة الرسم الإضافي للسلع بواقع 10% وآخرها الدولار الجمركي، حيث أصدر بنك السودان المركزي منشوراً قضى بموجبه رفع قيمة الدولار الجمركي من 6,9 جنيه إلى 18 جنيهاً، تحدث حولها خبراء اقتصاديون ومستوردون على أن زيادة سعر صرف الدولار الجمركي 18,00 جنيهاً ستكون لها هزات ارتدادية على الوضع الاقتصادي بالبلاد، لجهة أن زيادة الدولار الجمركي ستؤدي لارتفاع أسعار السلع والتي بدورها ستؤثر على المستوى العام للأسعار مما يؤثر على حركة التجارة والأسواق، وتفاقُم الأمر سيؤدي لتقليل صادرات البلاد وليس الاستيراد فقط، إضافة إلى أن انعكاس زيادة الدولار الجمركي سيؤثر على مناخ الاستثمار بالبلاد، لجهة إحجام المستثمرين عن الدخول في شراكات أو استثمارات جديدة بحجة تغيير السياسات الاقتصادية وأن زيادة سعر الدولار الجمركي ستؤثر على مشاريع التنمية التي وضعت برامجها في موازنة العام الحالي.

وحسبمتعاملينبالسوق،فإنأيارتفاعلسعرصرفالدولارالجمركيسيدفعبمستوىأسعارجميعالمنتجاتالمستوردةإلىمستوياتقياسية،ويُشيرونإلىأنالتأثيرلنيكونعلىالسلعالمستوردةفقط،وإنمايشملجميعالسلعالمنتجةمحلياًويخشونأنتؤديزيادةالدولارالجمركيإلىإشعالالزياداتفيمستوىالأسعار،ويشيرخبراءاقتصاديونإلىأنأيزيادةفيأسعارالدولارالجمركيتنعكسسلباًعلىالمواطنالسودانيخاصةالشرائحالضعيفة.

ما هو الحل للخروج من الأزمة، سؤال يطرحه العديد من المواطنين، ويقول خبراء في الاقتصاد إن الوضع الاقتصادي في السودان يحتاج إلى برنامج شامل للإصلاح يتعامل مع ارتفاع معدل التضخم الذي وصل إلى 30%، والبطالة التي وصلت إلى 60%، والفقر الذي وصل إلى 95%، وذلك عن طريق وضع سياسات تراعي الجوانب الاجتماعية والاقتصادية وتشجع على الإنتاج والعمل فوراً بالتوقف عن تجنيب المال العام، وهو من الحلول والمفاهيم الحديثة التي ارتبطت بالولاية العامة على الأموال، ويُعرَّف بأنّه سيطرة الوزارات ذات السلطة على الأموال الظاهرة، مثل الموارد المالية المرتبطة بالمنشآت التي تعمل ضمن نطاق هذه الوزارات، ومن ثمّ تجنُّب أموالها؛ أيّ أنّها تسعى إلى وضعها بحسابات ماليّة خاصة ضمن المصارف، بجانب تقليص دور هيكليّة الدولة، وهي بسبب عدم تقديمه للخدمات والوظائف المطلوبة منه، بل أصبحت هذه الهيكلية تهتم بالعوامل السياسية المتنوعة والمحاصصة، كذلك الاعتراف بوجود الأزمة الاقتصادية هو الحل المرتبط بمتابعة أبعاد تدهور الاقتصاد السوداني، بدلاً من إنكار وجود هذه الأزمة الاقتصادية بالسودان، وعدم الاعتراف بها ضمن أبعادها الحقيقية مع ذات الوقت تفعيل السيطرة الحكومية، وهي من الحلول المهمة التي تعتمد على تفعيل الإجراءات الحكومية للتحكم بسوق النقود الأجنبية، ودعم قيمة العملة الرسمية الوطنية؛ مما يساهم بالحد من ارتفاع العملات الأجنبية مقابل العملة الرسمية الوطنية، وأيضاً يساعد على تقليل ارتفاع الأسعار، ويسيطر على الغلاء المعيشي الذي يعاني منه المجتمع السوداني.

 

قراء 1278 مرات
الى الاعلي