تلفون : 83741732 بريد الكتروني :Contact@akhirlahza.net فاكس : 83793073 - 83740992
الخرطوم ,
تحقيقات

تحقيقات (48)

انخفاض إنتاج الصمغ العربي.. شكاية (الدندارة)

 

 

الخرطوم: أسماء سليمان


الصمغ العربي سلعة إستراتيجية تنتج البلاد (85%) من إنتاج العالم، إلا أن العقبات التي تحيط بالقطاع لم تبرح مكانها منذ زمن طويل.
يبدو أن تحرير سلعة إستراتيجية بحجم الصمغ العربي تجربة أثبتت فشلها على مر السنوات الماضية حتى الآن، بالرغم من أنها كانت كرتاً سياسياً رابحاً في قضية رفع العقوبات، إلا أن الدولة لم تحسن استخدامها سواء كان ذلك عن قصد أم غير ذلك، ما أدى إلى هجر منتجي الصمغ أو (الدندارة) كما يطلقون على أنفسهم، قطاعهم الإنتاجي لضعف العائد أو ربما لأن بعض مناطق الإنتاج ظلت تعاني من حروب ونزاعات، إضافة إلى قضية التهريب التي هزمت صادر الصمغ بحسب الخبراء.
جأر الدندارة بالشكوى تحت قبة البرلمان علهم يجدون سامعاً، ربما أنهم اختاروا العاصمة حتى يتعرف (أبناء البندر) على القطاع وأهميته من جهة، ومن أجل وضع قضيتهم أمام الجهات المسؤولة التشريعية منها أو التنفيذية.
تناولت ورشة (إنتاج الصمغ العربي آفاق الصناعة والتسويق)، قضايا عدة تتعلق بإنتاجية الصمغ العربي في السودان، حيث أعلن الأمين العام لاتحاد منتجي الصمغ العربي محمد إبراهيم، التزامهم بزيادة الإنتاج إلى ثلاثة أضعاف ليصل إلى (240) ألف طن بدلاً عن (40) ألف طن حال ذُللت العقبات التي تواجههم.
عوائق أمام المنتجين
  اللجنة التحضيرية للورشة أكدت أنها تهدف لمناقشة القضايا والتحديات التي تواجه سلعة الصمغ العربي، وعزا ذلك لجهة أنها السلعة الوحيدة التي تجلب عملة صعبة بدون تكاليف، ووصف عائدها بأنه  أضمن من البترول والذهب، وطالب رئيس اللجنة أيوب محمود بلول بإنشاء بورصة عالمية للصمغ وعدها ضرورة لحصول المنتج على سعر عادل، ودعا لضرورة تحديد سعر تأشيري للصمغ،  كما طالب بإنشاء بنك للصمغ العربي.  وقال إن هناك ظلماً يحاك ضد المنتج بسبب أن قنطار الطلح يؤخذ منه بـ(80)  جنيهاً، بينما سعره الآن داخل السودان (320) جنيهاً، فيما يؤخذ منه قنطار الهشاب بـ(600) جنيه وسعره الأن (1950) جنيهاً، لافتاً إلى أن فارق السعر هذا داخل السودان وفي الخارج أكثر من ذلك.
  واستنكرعدم حصول المنتج على التمويل بينما هنالك محفظة لتمويل الصادر، وطالب بإيجاد تمويل، نافياً حصول الاتحاد على تمويل حتى الآن ودعا للحفاظ على المنتج وتطويره وتدريبه على وسائل حديثة لـ(الطق)..  ودعا خلال الورشة لمساعدة المنتجين في انتزاع حقوقهم المسلوبة، وقطع بأن ذلك ليس فيه تقاطع مع أي جهة تعمل في المجال وعدم إقصاء جهة من الساحة.

إهمال حكومي
حمّل وزير الصناعة موسى كرامة  الحكومة التدهور الذي أصاب قطاع الصمغ العربي، وقال إن التذبذب الرئاسي والقومي والرسمي حول مواصفات الصمغ العربي في - إشارة إلى الهشاب والطلح - كان سبباً رئيساً في ذلك، وزاد أن البلاد ليس لها صوت واحد في هذه القضية، منادياً بتوحيد الرؤية في ذلك، واعترف بأن قضية الصمغ شائكة، مجملاً الحلول في عدة محاور سيما أنه كان المدير السابق لشركة الصمغ العربي، لذلك بدا ممسكاً بملف القضية جيداً.
 شدد الوزير على ضرورة تنظيم قطاع الإنتاج، متخوفاً من أن يلقي الأمر بظلال سالبة على الصمغ، ناصحاً بتطبيق تجارب الدول الأخرى لمضاعفة الإنتاج، وانتقد اتجاه الدولة إلى التمويل الشامل الذي وصفه بالرخيص، وعده أسلوباً متأخراً لخدمة قطاع بحجم الصمغ العربي.
 وأكد أن فرض أسس النظام المصرفي على قطاع الصمغ التقليدي لن يفلح أبداً بحسب قوله، إلى جانب حل قضية الأراضي بمناطق الإنتاج عبر القوانين والتشريعات واعتبره أمر رئيسيا وجزءاً  من ترتيبات الأمن والسلامة بالبلاد، ورهن نهوض قطاع الصمغ بترتيب البيت من الداخل، سيما أنه قطاع يضم ملايين المواطنين.
مافيا التهريب
 من جهته أعلن وزير التجارة حاتم السر إلتزام الحكومة بالتصدي لكافة العقبات التي تقف أمام مضاعفة إنتاج الصمغ وتصديره عبر تسهيل الإجراءات التجارية والأمنية اللازمة وتصديها بقوة  لما أسماهم مافيا تهريب الصمغ العربي والتقليل من الهدر الذي يصيب الصادر منه عبر رسم السياسات التسويقية المناسبة، مطالباً بتعظيم دور وزارته في مجالات التصدير، إلى جانب إعادة تأهيل حزام الصمغ العربي الذي يشغل (28%) من مساحة البلاد الكلية، ومحاربة القطع الجائر، إضافة إلى إحلال الفاقد من أشجار الهشاب، ولم يغفل الوزير ضرورة إضفاء قيمة مضافة على المنتج للتقليل من تصديره في شكل خام.
 ونبه الوزير إلى أن القطاع يضم (6) ملايين مواطن يمثلون (16%) من إجمالي التعداد السكاني بالبلاد، واعتبر أن إنتاجه فتح المجال أمام توفير فرص عمل والتقليل من البطالة، بينما مضت وزارة الزراعة في اتجاه تنظيم قطاع منتجي الصمغ لجهة أن الزراعة الجماعية تحقق إنتاجاً وفيراً وبكلفة أقل، فضلاً عن تسهيل عملية تطوير ورعاية المنتجين من قبل الوزارة.
 ودعا وزير الدولة بالزراعة صبري ضو البيت إلى ضرورة العمل الجماعي وترك الفردي، وأعلن عن قانون جديد لأصحاب مهن الإنتاج الزراعي والحيواني، قاطعاً بعدم تعارضه مع قانون التعاونيات، وإنما الهدف منه تنظيم القطاع، وإدخال قيمة مضافة للمنتجات كافة، واعتبره من باب حق الإنتاج والتسويق والتعاقد، وأشار إلى ضرورة حل مشاكل مياه الشرب بولايات الإنتاج.
ترحيب بالتعاونيات
لجنة الزراعة بالبرلمان اشترطت الاهتمام بالإنتاج أولاً قبل الصناعة والتصدير، وقطع رئيس اللجنة بشير آدم رحمة بقوله (لو ما في إنتاج الكلام عن الصناعة حيكون صفر)، وذلك للوصول إلى التكامل الجهود فيما يخص القضية.
 وركز حديثه على أن تدلو المواصفات بدلوها في قضية الصمغ عبر تصنيف كل على حدا، والفصل بين كل من صمغ الهشاب والطلح من الأصماغ الأخرى، وسلط رحمة الضوء على الميزة التي يتمتع بها الصمغ العربي وهو احتواؤه على مادة (البريبايوتك) والتي تتوفر في حليب الأم، وقال مازحاً يجب التعامل مع شجرة الصمغ معاملة الأم من حيث العناية.
وتطرق إلى ضرورة توفير الوقود للمواطنين بمناطق الإنتاج بدلاً من اعتمادهم على الحطب في الحياة اليومية، وإحلال ذلك بالطاقة الشمسية وغاز الطهي، بل مضى الرجل إلى أبعد من ذلك وطالب بإدخال الصمغ العربي في الغذاء وإضافته إلى الوجبات اليومية، مقترحاً إضافته للخبز، وأثناء ذلك استنكر البرلماني الانتقدات الموجهة للتعاونيات نسبة لأن هناك من يشبهها بالشيوعية، ودافع عن ضرورة تكوينها وتنظيمها الأمر الذي يصب في مصلحة الصمغ وإنتاجه.
 وقال إن كانت الشيوعية بالتعاون فمرحباً بها، وتابع موصلاً للفكرة بأن التعاون مطلوب في الدين ومذكور في القرآن، ولم يغفل رحمة قضايا منتجي الصمغ أنفسهم، منتقداً تلقي المنتج ثلث ما يربحه المصدر من أرباح الصمغ، لافتاً إلى وجود جهات عديدة أبدت رغبتها في تطوير القطاع من ضمنها اليابان.
كلام سياسي
لجنة الصناعة والتجارة بالبرلمان اعتبرت التراجع الذي أصاب إنتاج الصمغ ليصل إلى (12) ألف طن بعد أن كان (100) ألف طن في وقت سابق، أمراً يحتاج إلى وقفة، وقطع رئيس اللجنة عبد الله مسار بأن البلاد لم تستغل هذه السلعة (سياسياً، اقتصادياً، ولا صناعياً)، واعتبره أهم من الذهب والبترول، وقال إن إنتاجه لا يكلف سوى فأس والعامل (الطقاق) ، وقال إن البلاد لديها قدرة لإنتاج (500) ألف طن في العام من الصمغ، أي ما يساوي (15) مليار دولار بحسب تقديراته، واضعاً الحل في تطوير القطاع بإنشاء محفظة للإنتاج إلى جانب محفظة الصادرات، وقال في قروش صادر قاعدة (ساي)، لأنه ما في إنتاج، مطالباً بإعادة شركة الصمغ العربي واعتبر حلها أحد أسباب تدهور القطاع، وعلل طلبه بأن الشركة جهة لديها القدرة للتدخل حال تعرض إنتاج الصمغ أو تسويقه، لأي عقبة، وشدد مسار على طرح سعر تأشيري للصمغ حتى يكون الفرق بين الأسعار المحلية والعالمية متقارباً، لتصب الفائدة في جانب المنتج، ودعا وزير التجارة إلى إنشاء سوق مركزي للصمغ يجمع فيه المنتجون إنتاجهم، وقال (الموجودون في الأسواق الآن كلهم سماسرة)، إلى جانب مخزن رئيسي بكل ولاية منتجة، فضلاً عن تأسيس شركات صغيرة لتستطيع التدخل إن دعت الحاجة، وطالب الوزراء بوضع خطط واضحة فيما يخص الصمغ العربي، وقال مخاطبهم (خلوا الكلام السياسي واتكلموا في التنفيذي، وكل وزير يقول بعمل كذا وكذا).
امتحان البرلمان
رئيس البرلمان بروفيسور إبراهيم أحمد عمر  أعلن اعترافه بوجود خلل في إنتاج الصمغ العربي، بل طرح الرجل عدة أسئلة على شاكلة (لماذا لم نستطع عمل شيء)، وتابع أن تغني المسؤولين بالمشكلات لم يكن حلاً، وتابع هل من المعقول أن طرح معلومات غزيرة عن مشاكل الصمغ يعني أن من يهربون الصمغ جهات مجهولة؟.. واعتبره من أول الأسباب التي تسبب في تراجع القطاع، وزاد متسائلاً عن أسباب جعلت القضية لا تبارح مكانها وثباتها على ذات الموقع، رغم جهود المسؤولين على مر العقود ومحاولتهم إيجاد الحل الناجع.
 ونبه إلى وجود أشخاص كانوا أقوياء علمياً وبحثياً في هذا الاتجاه، إلا أن المسيرة توقفت بتوقفهم وظلت الصناعة والإنتاجية وإدرار العملات الصعبة من هذا المنتج متدنية ويتحكم بها السماسرة حسب قوله، وقال إن السودان رغم ما ينتجه من الصمغ إلا أنه ينال النصيب الأقل من هذا الإنتاج، لافتاً إلى أنه أي الصمغ العربي، يحمل كثيراً من الميزات الاقتصادية والإستراتيجية، فضلاً عن أنه يدخل في عدد كبير من الصناعات التي تحتاجها الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي حدا بها لاستثنائه من الحظر المفروض على السودان، وأكد أن التنفيذ الفعلي مهم في ما يلي الورش التي تنظم بخصوص الصمغ العربي، متعهداً بحسم المشكلات من داخل قبة البرلمان وفق القوانين والمساءلة والتشريع، واعتبر الأمر امتحاناً لقدرات البرلمان في وضع تشريعات تعبر بالقضية إلى بر الأمان.

الى الاعلي