تلفون : 83741732 بريد الكتروني :Contact@akhirlahza.net فاكس : 83793073 - 83740992
الخرطوم ,

(إجراءات بنك السودان وحل البصيرة (أم حمد

(إجراءات بنك السودان وحل البصيرة (أم حمد

 

 

حل البصيرة أم حمد عندما أدخل الثور رأسه في إناء فخار- (بُرمة)- وفشلت كل المساعي في إخراج رأس الثور من (البُرمة)، هو أن يقطع رأس الثور ثم كسر (البرمة) وإخراج الرأس يعني فقدان الثور والبرمة- هذا ما تم بالضبط في الحلول الاقتصادية الأخيرة المتمثلة في قرارات لإخراج رأس اقتصاد السودان من (برمة) التعافي.. سينهار الاقتصاد ونفقد التعافي.. يا إخواننا الأعزاء في بنك السودان ووزارة المالية (مالكم كيف تحكمون).. لماذا تكررون الخطأ وتتوقعون نتائج مغايرة وهي الحالة التي وصف بها العالم انشتاين الجنون؟..

تقرير:عمر البكري أبو حراز

 

لماذا تنزعجون من ارتفاع سعر الدولار؟. لماذا تركزون على الدولار وسعره وتتركون الهدف الأسمى وهو راحة المواطن السوداني خاصة من هم تحت خط الفقر؟.. لماذا لا يرتفع سعر الدولار وتطبعون العملة السودانية بكميات فاقت بكثير حجم الكتلة النقدية المثالية التي يجب تداولها- كل جنيه يطبع زائداً عن الكتلة الحقيقية المحسوبة بتدقة يعني انخفاض قيمة العملة الوطنية وزيادة سعر الدولار.. لماذا تنزعجون وتثيرون الرعب في كل أطراف داعمي الناتج القومي في الصناعة، الزراعة، الثروة الحيوانية، التجارة والخدمات والتعدين بقرارات مفاجئة، تتعارض تماماً مع سياسات الدولة منذ 1989؟ وهي سياسات السوق الحر المثلى الناجحة لتنمية الاقتصاد وتشجيع المستثمر الأجنبي وهي أيضاً تتعارض مع فلسفة وسياسات منظمة التجارة الدولية التي نسعى للإنضمام لها.. لماذا نعود للندرة ومعاناة المواطنين في الحصول على السلع عبر كروت التموين والصفوف الطويلة في الحصول على السكر، الخبز، الغاز، البنزين، وهي المعاناة التي أدت إلى إسقاط حكم نميري  في أبريل 1985 بعد أن خيمت الندرة في أواخر حكم نميري واستمرت حتى بعد الانتفاضة.. لم يتبدل حال الندرة إلى وفرة وزوال معاناة المواطنين إلا بعد اتباع سياسات السوق الحر منذ يونيو 1989م، إذ تبدلت الندرة في السلع وهي بأسعار قليلة إلى وفرة بأسعار مدعومة معتدلة، ثم أسعار أعلى مع استمرار الوفرة بعد الرفع الجزئي للدعم.
الغريب في الأمر أن السياسات الأخيرة الاقتصادية سوف تؤدي إلى الجمع بين نقيضين لا ولم يحدث الجمع بينهما في اقتصاد أية دولة، وهما التضخم والندرة- التضخم لأن حجم الكتلة النقدية كبير جداً كما ذكر وزير الدولة في المالية بسبب طباعة الأوراق النقدية المستمر، وهي تطارد سلعاً متناقصة بسبب الإجراءات المالية الأخيرة، وهي مؤدية إلى الندرة والكساد.. الكساد لماذا؟ لأن السياسات الأخيرة أبعدت من الحسبان القوة الحقيقية الدافعة للإقتصاد منذ توقف عائدات البترول بعد الانفصال في يوليو 2011م، وعدم تحقيق بدائل مثل تنمية وزيادة الإنتاج في الزراعة بشقيها النباتي والحيواني..
هذه القوة الحقيقية هي توفر الدولار (مجهول الهوية) لدى عشرة تجار عملة- كما ذكر أحد الوزراء الأسبوع الماضي في الصحف- وكانت هذه الدولارات مجهولة الهوية الوسيلة الوحيدة للاستيراد في كل القطاع الخاص من مدخلات إنتاج أو تجارة في سلع أخرى ضرورية مثل قطع الغيار، الأثاث، العربات، الثلاجات، المكيفات، الفواكه وسلع أخرى كمالية.. أما حصيلة الصادرات من الذهب والحبوب الزيتية والصمغ كانت بالكاد تكفي لاستيراد السلع الاستراتيجية مثل السكر، الدقيق، البترول، القمح، الأدوية.. السيد/علي محمود وزير المالية الأسبق ورئيس اللجنة الاقتصادية في البرلمان صرح يوم الأربعاء 7 فبراير أن سلعتي البترول والدقيق تمثلان 70% من الطلب على الدولار.. بموجب القرارات الأخيرة المالية تم وقف ضخ الدولارات مجهولة الهوية المستغلة في الاستيراد- كما أوضحنا- دون خلق بدائل بل تم تحديد البديل الوحيد وهو بنك السودان عبر غرف المعاملة، وبالتالي وقف الاستيراد بدون قيمة، ووقف تغذية حسابات أصحاب المصانع والتجار وشركات الاتصالات وشركات الطيران، علماً بأن غرف المعاملة لا ولن تملك العائدات الدولارية الكافية لمقابلة استيراد السلع الاستراتيجية، ناهيك عن مقابلة المتطلبات الأخرى بمعنى أن أي صاحب مصنع أو تاجر يتقدم بطلب للحصول على الدولارات من غرف البنوك المسيطر عليها بنك السودان، وينتظر حتى يحين دوره بعد شهرين ثلاثة وعندها تتوقف حركة التجارة والصناعة ويتم تشريد العاملين، وتخلو مراكز التسوق من السلع وتحدث الندرة ويعم الكساد وينهار الاقتصاد.
كل ما تقدم تعضده اعترافات شفافة من وزير الدولة بالمالية وهي: الصادرات في تناقص والواردات في تزايد والفجوة كبيرة.. إن بنك السودان لا يملك احتياطياً نقدياً من العملات الحرة، وأخيراً أن كميات كبيرة من العملة السودانية تمت طباعتها لمقابلة استيراد السلع الضرورية، وختم التصريحات بأمل يبدو عصياً في أن تستجيب الدول الصديقة لنداء دعم السودان عاجلاً بقروض ميسرة أو منح أو ودائع.
نعم نحن ضد السوق الأسود وتجارة العملات والدولارات مجهولة الهوية، لكننا في نفس الوقت ضد الندرة وارتفاع الأسعار، وعودة كروت التموين والصفوف، وتدخل الدولة في حركة الاقتصاد والسيطرة عليها مثل ما يحدث في الدول الاشتراكية، وهي بهذا المفهوم تعتبر ردة عن طريق كان ناجحاً منذ قيام الإنقاذ في 1989 وحتى انفصال الجنوب في 2011 وهو طريق الاقتصاد الحر.. لم يكن صحيحاً تدخل بنك السودان بهذه الصورة والاعتماد على مؤشر واحد هو سعر الدولار، وترك المؤشرات الإيجابية الأخرى المتمثلة في الوفرة وسهولة الحصول على السلع قبل أن يتلقى الدعم المطلوب لتغذية احتياطي النقد الأجنبي في البنك بحوالي خمسة مليارات من الدولارات على الأقل من قروض أو منح من الدول الشقيقة.. نفس هذه الدول دعمت مصر في فترة وجيزة بأكثر من عشرة مليارات من الدولارات.. يجب أن لا يكون خفض الدولار هدفاً، بل يجب أن يكون الهدف هو المواطن ورضائه وراحته، وهذا بالطبع لن يتأتى بهذه السياسات الجديدة الانكماشية، والتي تعيدنا إلى المربع الأول- مربع الندرة والصفوف والكساد، وهو بذلك أشبه بحل (البصيرة أم حمد) نفقد زيادة الناتج القومي ونفقد رضاء المواطن.
الحل عندي أن نؤجل تطبيق الاجراءات المالية الأخيرة فوراً، أو تعديلها للسماح بالاستيراد بدون قيمة لمدخلات الصناعة وبعض السلع الاستراتيجية- هذا ما تم بعد الانتهاء من كتابة هذا المقال- هذا التعديل بالسماح باستيراد مدخلات الصناعة وسلعتي القمح والمشتقات البترولية بدون قيمة اجراء سليم يحافظ على الصناعة، ويوقف تشريد العاملين الذي كان متوقعاً، ولكن في المقابل سوف يرفع سعر الدولار إلى قرابة الخمسين جنيهاً، لكن يجب عدم الانزعاج من ذلك لأن سعر الدولار سينخفض إلى أقل من 25 جنيهاً متى ما توفر دعم خارجي عبر السياسة الخارجية المنحازة لأي من المحورين اللذين نقف بينهما في منطقة رمادية، لا تسمن ولا تغني من جوع، ونتلقى دعماً كبيراً عاجلاً يجعلنا نعيد عجلة حركة الاقتصاد إلى الدوران الذي سوف يتوقف بهذه السياسات- إذا استمرت- في فترة لا تزيد عن شهر يسود بعدها كساد مدمر ومعاناة قاتلة.
خلاصة كل هذا المقال أن خفض سعر الدولار يجب أن لا يكون هدفاً، بل هو وسيلة واحدة من الوسائل لمقابلة هدف واحد سامٍ، هو رضاء المواطن، وأن سعر الدولار سينخفض تلقائياً متى ما توفرت الدعومات من الدول الصديقة، وعندها لن تكون هناك حاجة إلى مثل هذه الاجراءات التي تحيد كاملاً عن طريق السوق الحر الذي انتهجته الإنقاذ منذ استيلائها على السلطة في يونيو 1989م، وبه انتهت الندرة ومعاناة المواطنين في الحصول على السلع والدليل على ذلك استقرار سعر صرف الدولار في حدود اثنين جنيه طوال فترة تصدير البترول منذ 1999 حتى 2011م.

قراء 326 مرات
الى الاعلي