الخرطوم ,
تلفون : 83741732 بريد الكتروني :Contact@akhirlahza.net فاكس : 83793073 - 83740992

حوار مع الشاعر مختار دفع الله ...شاعر (ياربيع في عمري باسم يافرح كل المواسم) في بوح خاص

حوار مع الشاعر مختار دفع الله  ...شاعر (ياربيع في عمري باسم يافرح كل المواسم) في بوح خاص
نحن مسؤولون عن حماية الوجدان القومي الإذاعات تفرض الاستماع للأغنيات الهابطة المستمع السوداني ذكي ويمتلك حاسة فنية رفيعة طفولته الباكرة بحي البوستة أمدرمان فتقت عبقريته في دروب الشعر، فضلاً عن معايشته للمناخ الأدبي الذي نثرته في الفضاء الأمدرماني ندوة أم درمان الأدبية الشهيرة في ذاك الوقت، وتلحفه بغمامات الإبداع الشعري من رواد الندوة أمثال الشعراء سيد عبد العزيز، وعبيد عبد الرحمن، بجانب محمد يوسف موسى، وسيف الدين الدسوقي، وعشرات الأسماء الكبيرة اللامعة في مجال الشعر المغنى بالبلاد، (آخر لحظة) جلست إلى الشاعر الكبير مختار دفع الله، وأبحرت معه في أمواج الكلمة المغناة بين الماضي والحاضر، والتحديات التي تعترض مسيرة الأغنية المموسقة الجميلة، وخرجت بالحصيلة التالية. حوار:سفيان البشرى * بداية متي بدأت نظم الأشعار وماهي أولى قصائدك؟ لابد من الإشارة إلى أني كنت من المحظوظين، لأن طفولتي الباكرة بحي البوستة بأمدرمان، أتاحت لي أن أشهد أدب معافى، استطعت من خلال هذه المناخ أن أمضي إلى الأمام، وكانت إلى جواري ندوة أم درمان الأدبية للأديب الراحل عبد الله حامد الأمين، بجانب ندوة مبارك المغربي في نادي الخريجين بأم درمان، وكان على مقربة مني الشاعر الكبير محمد يوسف موسى، بالإضافة إلى سيف الدين الدسوقي وسيد عبد العزيز وعبيد عبد الرحمن والطاهر إبراهيم وعبد الرحمن الريح، وهذا الطقس الفني المتميز والمترع بغمامات من الإبداع، ارتكزت عليه ومنحني قدراً عالياً من الثراء، مما شجعني على المضي قدماً في طريق كتابة الشعر الغنائي وأولى أغنياتي هي»أكون سواح» التي تغنى بها الفنان إسماعيل حسب الدائم. ماهي أبرز الاسماء اللامعة التي سبقتك في مجال الشعر؟ أنا من جيل شعراء السبعينات، ووجدت أمامي مجموعة من الشعراء الكبار كعبد الوهاب هلاوي، وإسحق الحلنقي، والتيجاني حاج موسى، بجانب سعد الدين إبراهيم وعز الدين هلالي وعبد الرحمن مكاوي، وهم المجموعة التي شكلت نسيجاً فريداً لمسيرة الغناء في السبعينيات، وأضحوا نجوماً ظواهر في فضاء الشعر الغنائي بالبلاد، ومنحوني الثقة والحافز في أن أمضي في هذه المسيرة. هل تنزل عليك الشعر بمحض الصدفة؟ من الصعوبة بمكان توصيف هذه المساءلة لكنني أحسست في المرحلة المتوسطة أن بإمكاني أن أكتب الشعر، وكانت تلك البدايات المتعثرة، ومرافقتي للشاعر الكبير إسماعيل حسن في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي، ثم ترددي على المنتديات الفنية والأدبية والثقافية في أنحاء متفرقة من مدينة أمدرمان، مثل ندوة إشراقة الأدبية للصديق المجتبي وعبد القادر الكتيابي، كل هذه الأشياء جعلتني أتكيء على موروثها وأستند عليه، ومن ثم أسهمت في خلق الشخصية الشعرية لمختار دفع الله. * من الذي وقف خلفك وأنت في بداياتك المتعثرة تلك؟ بعض الأسماء اصطفت خلفي ومنحتني قدراً عالياً من الثقة، ووجهتني التوجيه الصحيح، ومدين من بعد الله سبحانه تعالى إلى الشاعر الكبير يوسف محمد موسى، الذي وقف معي في بدايتي رغم أنه كان من الإهرامات الشعرية الكبيرة في عالم الغناء. * التغييرالذي طرأ على زخم الحياة هل أصاب الموروث الشعري في مقتل؟ اللهث اليومي خلف لقمة العيش لم يترك للناس براحا ليشبعوا رغبتهم فيما يختص بالآداب والفنون عموماً عكس ما كان في الماضي من براحات وأزمان ماهلة، وهي التي عبر عنها الشاعر مصطفى بطران في «أطرد الأحلام يا جميل وأصحى» وكان الزمان في الماضي يسمح لنا بأن نتقابل بشكل يومي في أحد منازل الشعراء عتيق أو محمد يوسف موسى أو مبارك المغربي، لنقرأ ما كتبنا في ذلك الزمان الباكر وليستمع إلينا أساتذتنا ليسدوا إلينا النصح والإرشاد، لكن تسارع الحياة حرمنا من أن نجد براحاً نستمع لبعضنا البعض، ولكن مما يطمئن النفس ويبعث فيها أن هنالك حركة ثقافية أدبية فنية بدأت تستشري في أواسط مدينة أم درمان من خلال المنتديات والمنصات الأدبية المختلفة. * كيف ترى الشعراء الشباب الذين ظهروا بأشعار تعبر عن البيئة القادمين منها؟ هنالك مقولة شائعة بأن الإنسان ابن بيئته، وأن البيئة بالفعل تؤثر على الشاعر في ثقافته ومنتوجه من الإبداع، وهنالك أصوات شعرية سيكون لديهم شأن في عالم الكلمة النظيفة المعافاة، واستمع من خلال منافسات الشباب إلى أصوات شعرية مبشرة جداً، بدأت تتشكل، وحقيقة أنا معجب جداً بمقولة للشاعر سيف الدين الدسوقي، الذي كل ما رافقته إلى أمسية شعرية كان يبشرني بأن مسيرة الشعر في السودان تسير على خير. * برأيك كيف تنظر لتسارع ايقاع النصوص اللحنية حالياً مقارنة بالماضي ؟ أود أن أطمئن كل الذين أشفقوا على مسيرة الأغنية السودانية بأن هنالك نصوصاً جيدة جداً من شعراء شباب، وهذه النصوص للأسف لم تجد حظها من الاختيار والأغنيات التي تخرج هي مسؤولية ذوق المغني أو الملحن، ومعظم الأغنيات التي توسم بأنها أغنيات هابطة أو لاترقى للذوق، ومستوى السمع مسؤولية خروجها يقف على عنصرين، الملحن أو المؤدي والذي تحدد ثقافته مدى اختياره للنص. * ما مدى تأثير الإذاعات على المنتوج الغنائي الجيد؟ أذواق من يسيطرون على هذه الإذاعات (الإف .إم) تفرض على الناس الاستماع إلى بعض الأغنيات التي لا ترقى إلى مستوى الاستماع، وهذه الإذاعات تناثرت كالداء السرطاني، على خلاف ما كانت في عهدنا، كان ليس بمقدور أي أغنية أن تصل إلى أسماع المتلقين، مالم تمر عبر لجان إجازة النصوص الشعرية والألحان. * وجود هذه اللجان هل كان يمثل خط الدفاع الأول عن الأغنيات الجميلة؟ الآن هذه اللجان غائبة أو مغيبة تماماً في بعض إذاعات الإف إم، وهي تمثل المصفاة التي من خلالها تتم تنقية العمل الفني الجميل الذي يصل إلى اذآن المستمع، وبفضل هذه اللجان كل الغناء الذي خرج إلينا في منتصف الثمانينات كان غناءً نظيفاً ومعافي وجميلاً، وهو الذي شكل الرصيد الثري لمسيرة الأغنية السودانية، لكن أطمئنك وأطمئن كل أحباب الغناء الجميل أن المستمع السوداني مستمع ذكي ولبيب، يستطيع أن يميز بما يملك من حاسة فنية ر فيعة الغث من السميك من الغناء. * ماهو دور المصنفات في حماية الذوق العام وما يتم تداوله من غناء في الحفلات العامة؟ المصنفات لا تملك من الامكانيات ما يمكنها من فرض ر قابتها على كل بيوت الأفراح أو المسارح بالبلاد، وهي تبذل جهداً مقدراً في حدود امكانياتها بالمقابل ندعو الدولة متمثلة في وزارة الثقافة والإعلام إلى ضرورة أن تدعم مجلس المصنفات، سواء أكان على مستوى الولايات أو على مستوى المركز. * مقاطعة..هل هنالك قانون يحمي من الاستماع إلى الأغنيات الخادشة؟ نعم هنالك قانون خاص بذلك، وتوجد سوابق قضائية تمت لمطربين منعوا من الغناء، وتم سحب الترخيص الممنوح لهم لمزاولة الغناء، لأنهم أدوا بعض الأغنيات التي لا ترقى لمستوى الاستماع، والتي يمكن أن تضر الذوق العام، وتحدث الخلل أو الشرخ في وجدان النشء من أبنائنا. * مع وجود هذا القانون، ألا يتطلب ذلك وقفتكم الصلدة أمام الكلمة الخادشة؟ نحن مسؤولون عن حماية الوجدان القومي للأمة السودانية، هذا الوجدان وهذه الحماية لا تتوفر إلا بوجود العناصر الثلاثة: النص الجيد واللحن الجيد والصوت الشجي الذي بإمكانه أن يوصل رسالة الأغنية إلى محبيها وإلى مستمعيها. * في السابق كانت السيطرة على شركات تسجيل الكاسيت سهلة، أما الآن فالفضاء مفتوح أمام انتشار الأغنية الهابطة ؟ نحن سعيدون جداً كصناع للغناء بالطفرة التي شهدتها شركات الكاسيت بالنصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، لكن ظهور وسائل تواصل واستماع جديدة، أضر بمسيرة شركات الإنتاج الفني وأقعدها عن أداء دورها، بل وتعرضت إلى خسائر فادحة في بعض منتوجاتها، بالإضافة إلى القرصنة الأدبية التي كانت تتم لهذه الألبومات الغنائية، لكن الآن الفضاء المفتوح، ووسائل الاستماع المتاحة، ووسائل التسجيل الحديثة بحكم ثورة تقنية الاتصالات، جعلت الحابل يختلط بالنابل والصالح بالطالح، ولم تعد هنالك سيطرة على الساحة الفنية، مما يقدم من منتوج في مجال الغناء، وبات من الصعوبة بمكان أن يتم ضبط استماع الناس أو مشاهدتهم، لما يقدم من خلال هذا الفضاء المفتوح الواسع، ويبقى الرقيب الوحيد هو ثقافة المتلقي وذوقه، وهو الذي يحدد مؤشر الاستماع. * هل هنالك اتجاه لتكوين تحالف شعري مماثل يرتقي بالكلمة الشعرية ونشرها عالمياً؟ هنالك اتحاد شعراء الأغنية برئاسة أستاذ الأجيال محمد يوسف موسى، لكن كما تعلم كل منظمات المجتمع المدني والكيانات الثقافية هي كيانات أهلية تعوزها الامكانيات حتى تنفذ برامجها الطموحة، وهذه الامكانيات تتعذر في ظل هذه الظروف الاقتصادية الضاغطة، وهنالك من الشعراء من هم غيورون على مسيرة الأغنية السودانية وليس لوحدهم وحسب، وكثير ما يلتقيني أناس في الشارع العام و يبدون حسرتهم على ما آل إليه حال الغناء بالبلاد، بحكم أن ما طرح في الفترة الأخيرة من أغنيات مبتذلة لا ترقى الى مستوى الاستماع. * ماهي المعالجات المطلوبة حتى ترجع الساحة الغنائية إلى رحاب الكلمات الجميلة؟ نحن في حاجة إلى فتح منابر ومنصات جديدة للتبصير والترشيد، ولإلقاء الضوء على الغناء الجميل، وكيفية تبصيرالناس بالارتقاء بالذوق الجميل، فالمستمع السوداني يستطيع أن يميز بسهولة، ويمتلك عين فاحصة ولسان ناقد لكل ما هو مبتذل، ولا يرتبط بالوجدان الجميل، وعلى الدولة ممثلة في وزارة الثقافة والإعلام أن تدعم كل الكيانات الأدبية، سواء أكانت الاتحاد القومي للأدباء السودانيين واتحاد شعراء الأغنية واتحاد فن الغناء الشعبي، ودار فلاح، هذه كيانات ثقافية وفنية أهلية تحتاج إلى دعم ورعاية لتؤدي دورها بالشكل المنوط بها، وحتى تشكل سياجاً واقياً لأهل السودان، حتى لا يُخترقون من قبل هذه الأعمال التي لاترتقي إلى أن تصل إلى آذان المستمعين. ما هي أبرز الوصايا التي يجب تقديمها للشعراء ؟ يجب عليهم الإطلاع على تجارب الآخرين، وهذا الجيل توفرت له كل المعينات لينهل من موارد الثقافة وتثقيف الذات مهم، ويجب أن تكون لديهم الإرادة على وضع بصمة مضيئة مميزة في مسيرة الكتابة الشعرية، خاصة أولئك الذين بدأت تباشير لمواهبهم. أنتم كشعراء متهمون بعدم تسليم الرآية من جيل إلى جيل؟ أنا من المؤمنين جداً بتواصل الأجيال، وحينما استمع إلى مجموعة من الشعراء الشبابـ واجد أن هنالك صوتاً شعرياً بإمكانه أن يكون مميزاً ومتفرداً في يوم من الأيام يعبر ذلك عن سروري وغبطتي لمولد شاعر مستقبلي. * هل تقدمون لهم النصح والمشورة؟ بالطبع وكثيرون ما كنا نقدم إليهم نصائحنا في هذا الشأن، وأبوابنا مفتوحة لكل من يأتي إلينا للاستئذان للنصح أو للإرشاد، وهنالك الكثير من الشعراء رحلوا عن هذه الدنيا وهم يعانون من كثير من الحنق والغضب لأنهم لم يجدوا التقدير والتميز اللائق الذي يتسق وما قدموه من عطاء. ماهي أجمل كلمات نظمتها وتحرص على الاستماع لها؟ أحب الاستماع إلى أغنيتي «حروف للفراشة « التي نظمتها في سبعينات القرن الماضي، والتي تغنى بها الفنان صلاح مصطفى، ويقول مطلعها يا شجر بلدي وبيوتها ويا ربيع ما هان عليه يعبر بحارتنا ويفوتها يا ربيع في عمري باسم يافرح كل المواسم صف لنا شعورك وأنت تحضر تكريم الفنان زكي عبد الكريم من قبل أهالي دنقلا ؟ أنا سعيد بهذه البادرة الطيبة لأنني حضرت احتفالية التكريم بمعية وفد ضخم ضم كل أفراد القبيلة الفنية، إبتداءاً بالفنان الصديق سيف الجامعة والأخوين الفنانين عمر إحساس وبلال موسى، بجانب الهرم الإعلامي الشامخ علم الدين حامد، وفرقة موسيقى الشرطة، ولعل هذه البادرة الكريمة التي أطلقتها محلية دنقلا بقيادة المعتمد عصام الدين علي عبد الرحمن تؤكد الإرث الحضاري العظيم الذي تستند عليه هذه المحلية ورجالها، وذلك أننا قد اعتدنا بأن يتم تكريم كل الرموز والنجوم الزواهر في مجالات الفنون والحياة المختلفة بعيد رحيلهم عن هذه الدنيا، وهذه ثقافة كانت سائدة لزمن بعيد، ولكن محلية دنقلا استطاعت أن تغير هذا المفهوم بأن يتم تكريم الرموز والأنجم من خلال حياتهم، ولعمري هذه بادرة جديدة على ثقافتنا: الاحتفاء بالرموز والأستاذ زكي عبد الكريم هو أحد القامات الفنية المديدة والشامخة، والتي استطاعت أن تقدم عطاءً أثرى به وجدان أهل السودان لعقود من الزمان.
قراء 215 مرات

اترك تعليقا

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة، المشار إليها بعلامة النجمة (*). رمز هتمل غير مسموح به.

الى الاعلي