تلفون : 83741732 بريد الكتروني :Contact@akhirlahza.net فاكس : 83793073 - 83740992
الخرطوم ,
حوارات

حوارات (55)

السفيرعثمان السيد مدير الاستخبارات الأسبق (2-2)

 

لدينا ديون بالمليارات على مصر

 

هذا هو ثمن قيام السد العالى وتهجير القرى

 

ليس صحيحاً أن العسكريين أهملوا حل مشكلة الجنوب

 

في السابع عشر من شهر نوفمبر عام 1958م شهد السودان أول انقلاب عسكري، ليفتح الباب أمام عدد من الانقلابات التي أخذت من عمر التطور السياسي في البلاد 52 عاماً.في الساعة الثانية من فجر 17 نوفمبر، أصدر عبد الله خليل رئيس الوزراء، ووزير الدفاع تعليمات للفريق إبراهيم عبود قائد الجيش بتسلم مقاليد الحكم في السودان، وعلى الفور توجهت وحدات الجيش إلى المراكز الهامة في العاصمة، ومنازل زعماء الأحزاب، ووضعت فيها الحراسات، وأذاع القائد العام الفريق إبراهيم عبود البيان الأول.
ظلَّ الانقلاب الجديد ومنذ أشهره الأولى «نظاماً محافظاً»، لا ينشغل بغير إعادة سيطرة الدولة على مجريات الأمور، والترتيب لمواجهة تمرد جديد ظهر في الجزء الجنوبي من البلاد، بعد عامين من الفوضى السياسية التي مارستها القوى السياسية وقتذاك.  شكل الانقلابيون الجدد الوزارة في اليوم الثاني لتسلم السلطة، برئاسة الفريق إبراهيم عبود، وضمت ضباطاً ومدنيين، هم أحمد عبد الوهاب وزيراً للداخلية والحكومة المحلية، اللواء طلعت فريد وزيراً للاستعلامات والعمل، العميد أحمد مجذوب وزيراً للموصلات، العميد حسن بشير نصر وزيراً لشؤون الرئاسة ونائباً للقائد العام، العميد أحمد رضا فريد وزيراً للأشغال والثروة المعدنية، أحمد خير وزيراً للخارجية، زيادة أرباب وزيراً للمعارف والعدل، وعبد الماجد أحمد وزيراً للمالية، سانتينو دينج وزيراً الثروة الحيوانية .استمرت حكومة عبود حتى أطاحت به ثورة شعبية في 21 أكتوبر من العام 1964، ليختلف حول تقييمها المشتغلون بالسياسة والتاريخ، بالأمس مرَّ 59 عاماً على «انقلاب عبود» كما عُرف بين السودانيين، والبلاد ما تزال تحكم من قبل العسكريين، لإلقاء الضوء على تلك الحقبة..  جلست (آخر لحظة) الى مدير جهاز الأمن والمخابرات فى عهد الرئيس جعفر النميري، وسفير السودان العتيق بدولة إثيوبيا اللواء (م)عثمان السيد لنقلب معه صفحات التاريخ، فإلي مضابط الحوار.

 

حوار: ناهد عباس

 

هذه هي الحلقة الثانية لحوار (آخر لحظة) مع السفير اللواء عثمان السيد فضل السيد»، الذي التقته بمكتبه بمركز الدراسات الإفريقية بالخرطوم.. السفير حاصل على الماجستير من الجامعة الأمريكية ببيروت، وعمل مديراً لفرع المعلومات، ثم مديراً لفرع المخابرات الخارجية.. التحق بالأمن العام والقومي وأصبح مديراً للأمن الخارجي، وترقى حتى منصب وزير الدولة بالأمن الخارجي، ثم عمل سفيراً للسودان بإثيوبيا لأربعة عشر عاماً، واختير عميداً للسفراء العرب والإسلاميين في أثيوبيا.
 الرجل ملييء بالأسرار والمواقف، وتحدث إلينا كشاهد على العصر، وعلى العديد من المواقف  والحقب التاريخية، وهذه مواصلة لحديثه عن عدد من القضايا القديمة المتجددة التى مازالت تشغل الساحة السياسية .
\ * اتفاقية مياه النيل.. هنالك حديث بأن الوفد المفاوض كان ضعيفاً، وأن المصريين استغلوا ضعف الوفد وأخذوا نصيب الأسد من مياه النيل؟
- نعم الوفد كان ضعيفاً، ومن الأشياء التي تحسب على حكومة الفريق إبراهيم عبود وتعتبر من الأخطاء التى ارتكبتها موضوع مياه النيل، والوفد المفاوض قبل مجيء عبود كان برئاسة خضر حمد وزير الري آنذاك، ومصر كانت تشهد خلافات بين جمال عبد الناصر ومحمد نجيب قائد الانقلاب، وكان من أم  سودانية وأب  مصري، وعندما أزاح عبدالناصر محمد نجيب تعاطف معه السودانيون.. وهنالك قصيده مشهورة للشاعر محمود محمد صالح  يمتدح فيها محمد نجيب، وينتقد فيها جمال عبد الناصر، وعندما ذهب خضر حمد مع الوفد إلى مصر كان يحمل معه تلك القصيدة،  وأعطاها لموظف الاستقبال لكى ينسخها له، وأخذ الموظف القصيدة وكان يتبع للاستخبارات المصرية وصورها  وأعطى نسخة منها للاستخبارات، وقاموا باستدعاء خضر وفتشوا شنطه والوفد، واعتبروا ذلك تدخلاً فى السياسة الداخليه لمصر، وانتهت جلسة التفاوض دون أن يصلوا لشيء، وفى المرة الثانية أيضاً ذهب الوفد برئاسة خضر، وأصبح ضعيفاً أمام المصريين لموقفهم السابق معه .
 * ما الذي حدث بعد ذلك؟
- بعد ذلك جاء انقلاب عبود،  وكان الوفد المفاوض برئاسة طلعت فريد، وأخذ المصريون ثلثي المياه وأعطونا الثلث، في حين أن أكبر امتداد للنيل الأزرق في السودان، وترك طلعت فريد الوفد في مصر، ورجع لعبود يخبره بالاتفاق الذي تم مع المصريين، فوافق عبود عليه، وهذه هي الغلطة التي وقع فيها عبود، واتفاقية 1959م مجحفة جداً فى حق السودان، ولما طلب الإمبراطور هيلاسلاسي أن يشارك في المفاوضات، المصريون رفضوا، رغم أن الاتفاقية تضمنت: إذا كانت هنالك دولة أخرى طالبت بنصيبها فى مياه النيل يتم منحها مناصفة.
هل يعنى هذا أن تحوز أثيوبيا على المياه مناصفة مع مصر؟
- لا مصر أخذت الثلثين أى (54) مليار متر مكعب، وأعطونا (18) مليار متر مكعب من المياه، وأثيوبيا طلبت ( 36) مليار، وإذا طبق القانون تكون المناصفة بيننا ومصر لمنح إثيوبيا نصيبها .
 * هذه الـ(18) مليار متر مكعب من المياه هل هي كافية للسودان ؟
 - نصيبنا الـ(18 ) مليار إلى الآن لم نستعملها كلها، وفيها ( 4) مليار تذهب هدراً إلى مصر، وهنالك اتفاقية سرية تنص على أن المصريين مقابل أى متر مربع من الماء يذهب إليهم زيادة من حصتهم يدفعوا للسودان مقابل.
 * وهل دفع المصريون للسودان ؟
من عام 1959م  إلى الآن قرابة الخمسين عاماً لم يدفعوا أى مليم، والاتفاقية موجودة .
 * ماذا كان ثمن قيام السد العالي وتهجير الحلفاويين ؟
الخطأ الثاني الذي وقع فيه عبود الموافقة على إنشاء السد العالي، وخسائرنا كبيرة جداً، مئات  من القرى  انطمرت بالمياه وآلاف الأشجار اُقتلعت .. ونحن طلبنا من مصر دفع مبلغ (30) مليون استرليني مقابل قيام السد، المصريين اعترضوا والتزموا بدفع (10) مليون، ورجع طلعت فريد لعبود وأخبره باعتراض المصريين على دفع المبلغ كاملاً .. وطلب عبود من طلعت فريد أن يلجأوا إلى جمال عبدالناصر لحل الإشكال،  وكان حل عبد الناصر أن تقسم الثلاثين ويدفعوا للسودان مبلغ (15) مليون، ولم يدفعوها إلى الآن .
* ما أسباب النزاع في حلايب؟
- عندما سلم إسماعيل الأزهرى المندوب المصري العلم الذى يتبع لهم،  كانت حلايب تتبع للسودان، والبرلمان في ذلك الوقت كان قد انتخب فيها نائباً فى البرلمان، والخريطة ذهبت  للأمم المتحدة  وللجامعة العربية ولمنظمة الوحدة الإفريقية وللمؤتمر الاسلامي متضمنة فيها حلايب تابعة للسودان، والمصريون يعلمون ذلك ..  لكن المصريين بعد ذلك دخلوا  حلايب فى عهد عبد الله خليل  وكان رئيس وزراء عام 1958 . والمصريون يعلمون سلفاً أن حلايب سودانية، ويستخدمون موضوع حلايب فى كل مرة على أساس أن  يقدم السودان تنازلات .
أي نوع من التنازلات تريدها مصر؟
عندما احتلوا حلايب فى زمن عبد الله خليل كانوا يريدون تنازلات بالنسبة للسد العالى ومياه النيل، ونحن للأسف اتنازلنا وهم الآن يطبقون نفس الشيء باحتلالهم حلايب،  ويعملون على تمصيرها حتى يحصلوا على تنازلات في سد النهضة، لأن موقفنا فيه غير ما يريدونه .
وسد النهضة بالنسبة إلينا فيه مصلحة كبيرة، والمياه  تأتي إلينا مستقرة وثابتة فى فترات منتظمة، وأثيوبيا من أكثر الدول في العالم  التي تملك الماء ولا تريد من قيام السد الماء بل تريد أن تولد كهرباء وتبيع الكهرباء لتشاد والنيجر ودول شمال أفريقيا، ولايمكن لها أن تبيع كهرباء سد النهضة إلا عن طريق السودان، وبالتالي يمنحوا  السودان مياه رخيصة، الأمر الثانى عندما تمر  الكهرباء بالسودان تسهل من ميكنة الزراعة والتوسع فيها.
* ماذا يضير مصر من ذلك؟
- عندما تمنحنا أثيوبيا مياه رخيصة، فالسودان سيستخدم المياه التي كانت تذهب هدراً لمصر، ولا افتكر أن مشكلة مصر فى سد النهضة مع أثيوبيا، بل مع السودان، ومصر لا تريد أن يستخدم السودان حقه المشروع، ومصر في يوم من الأيام سنة 1979م وقعت اتفاق سلام مع إسرائيل ضد رغبة كل الدول العربية من أجل مصلحتها، ولم تهتم لكل الدول العربية مجتمعة، ونحن الآن مصلحتنا في سد النهضة، ولايعني ذلك أننا نفضل أثيوبيا على مصر .. وإلى الآن ملف السودان في مصر عند المخابرات، ونحن نتعامل مع ملف مصر بواسطة الخارجية السودانية، والمصريين واضعين السودان فى خانة المشكوك فيه، ومصر تثق في إسرائيل أكثر مما تثق في السودان .. ولما طلب مجلس الأمن كتابة تقرير بأن السودان لايرعى الإرهاب وافقت اثيوبيا وكتبت التقرير على الفور، وانتظرنا مصر 11 يوماً لكى تكتب التقرير .
 * هل صحيح أن العسكريين لم يقدموا حلولاً  لمشكلة جنوب السودان ؟
غير صحيح.. إن العسكريين ماعندهم حل يقدموه  لمشكلة الجنوب، ومشكلة الجنوب حدثت فى 18 أغسطس 1955م، عندما كان أزهرى رئيس وزراء، وحدث ما فيها من تمرد واستباحات، وحصلت مآسي كبيرة  في الجنوب، ولعب الإنجليز والكنائس فيها دوراً كبيراً، والعسكريون كان موقفهم حازماً في قضية الجنوب، وفي فترة عبود الأمن كان مستتباً، وتدهورالوضع بشكل مرعب بعد ذهاب عبود، والفترة من 1964 إلى 1969 كانت من أسوأ الفترات على الإطلاق في الجنوب، وكان من ضمن الأسباب التي أدت لتدخل الجيش ومجيء نميرى الوضع في الجنوب .
 * كيف تنظر لعلاقة السودان مع أثيوبيا؟
منذ مملكة أكسوم ومروي لم تشهد علاقة السودان وأثيوبيا علاقة متميزه مثل التي هي عليها فى الفترة الأخيرة، والتى امتدت لـ 26 سنة، ووقعت اتفاقيات عديدة بين الدولتين منها اتفاقية دخول البضائع السودانية دون ضرائب إلى أثيوبيا، وملس زيناوى ذكر ذلك صراحة فى اجتماعات دول  الكوميسا، إن الدولة الوحيدة التي وقع معها اتفاقيات عديدة هي السودان .

الى الاعلي