تلفون : 83741732 بريد الكتروني :Contact@akhirlahza.net فاكس : 83793073 - 83740992
الخرطوم ,
إضاءات - طه النعمان

إضاءات - طه النعمان (56)

Email: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

من أحرج الآخر .. ؟!

*المؤتمر الصحفي الذي أقامه جهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج مطلع الاسبوع الحالي، بمناسبة الاستعداد لاستقبال السودانيين المبعدين من السعودية لمخالفتهم شروط الإقامة وفق قوانين المملكة، كان مؤتمراً كاشفاً بمعنى الكلمة .. مؤتمرا تكشفت خلاله الرؤى والنوايا لأناس يحتلون مواقع في منتهى الأهمية والحساسية .. أناس واتتهم فرص التعليم ونيل الشهادات العليا، ومع ذلك ظل فهمهم ونظرهم للدولة ومسؤوليتها ينطويان على قصور شنيع، أفرز حالة من التعالي وعدم الاكتراث بمصائر الناس ومآلات حياتهم هنا أو في المهاجر . * تعبيران في منتهى القسوة والاستفزا ، وينمان في الوقت ذاته عن ذلك القصور الشنيع في الفهم والنظر لمعنى الدولة وواجباتها تجاه مواطنيها، صدرا عن اثنين ممن تصدروا ذلك المؤتمر الصحفي .. الأول عن الأمين العام للجهاز د. كرار التهامي، قال فيه (إن الدولة ليست جهة خيرية معنية بايجاد وظائف للعائدين) وهو التعبير الذي حاول تخفيف وقعه وتجميله في اليوم التالي بالقول إنه فُهم خطأً، وأنه يقصد أن الدولة ليست جهة خيرية تُعنى بإيجاد وظائف للخريجين بشكل عام، وليس العائدين ... ولكنها تساعد في فتح آفاق أخرى ممكن أن تساهم مع الدولة في التوظيف)..أما العبارة الأخرى الأشد استفزازاً و تجنياً في حق العائدين، فقد وردت على لسان السيد عبد الله صديق عضو مجلس الجاليات، الذي أطلق لسانه بكل بجاحة ليقول في حق آلاف العائدين (إنهم أحرجوا البلد ، وإنهم مسؤولون عن ما آلت اليه أوضاعم، لأنهم تعمدوا مخالفة قوانين الإقامة بالسعودية) – “آخر لحظة الأحد 23/7”- * ما همني في افادة الدكتور التهامي هو قوله (إن الدولة ليست جهة خيرية)، وهي عبارة نافرة وخارج السياق من جهة، وهي أيضاً محاولة غير موفقة لاجتراح توصيف بالنفي لحالة الدولة، نفي ( الخيرية) عنها، وهوعلى شذوذه يسيء للدولة ويصنفها بوضعها في قائمة الدول غير المسؤولة تجاه مواطنيها، أو ما يسميه الإنجليز Uncaring government .. هي قطعا إساءة غير مقصودة من جانب رجل ولته الدولة واحداً من أرفع المناصب، يعادل وزارة شؤون المغتربين في دول أخرى .. وهنا نفاجئ السيد التهامي برؤية مضادة تصادم مباشرة ما ذهب إليه من أن الدولة ليست جهة خيرية، بأن (الدولة هي أكبر جمعية خيرية) في أي وطن أينما كان.. وأى خيرية ينتظر الدكتور أكثر من حفظ الأنفس والأموال والممتلكات وتاسيس البنى التحتية وتنظيم حياة الناس ومعاشهم وفق القوانين، ورعاية أحوالهم في المأوى و المسكن والملبس والمشرب .. أو ما يعرف بـ(دولة الرعاية) التي قلبت لها سلطة الإنقاذ ظهر المجن، بعد أن شدت وركبت على ظهر غزال الجن الفالت المسمى (سياسة التحرير)، والذي اعتقد التهامي وصحبه أنها (تحرر) الدولة والحكومة من أية مسؤوليات تجاه شعبها، بحيث يصبح (كل زول رايته في راس جواده).. السيد وزير المغتربين التهامي بدا لي و كأنه أعجب بتعبير (ليست جمعية خيرية) الذي عادة ما يردد في نقاشات المثقفين، عندما يتناولون كيفية التعامل مع السياسة الدولية للولايات المتحدة، فيقولون (إن أمريكا ليست جمعية أو جهة خيرية وإنها تعمل وفق ما يحقق مصالحها)، فرأى أن يستلفه ويستخدمه في مؤتمرهم الصحفي لدرء أية محاولات أو توقعات تحمل الدولة مسؤولية رعاية هؤلاء العائدين المبعدين، لكنه نسي وهو الدبلوماسي – السفير أن الدول المحترمة- حتى أكثرها إغراقا في الرأسمالية - تضع في موازناتها بنداً مخصوصاً لسد احتياجات مواطنيها العاطلين عن العمل، بل والمهاجرين اللاجئين إليها، فحفظ الحياة والأنفس يأتي - يا سيادة الوزير- في مقدمة واجبات الدولة بحسب الشرائع السماوية والإنسانية .. هل أذكرك بقول الفاروق (رض) بشأن بغلة تتعثر بأرض العراق ؟! * أما عن أخينا (عضو مجلس الجاليات) الذي أنحى باللائمة على المغتربين المخالفين، والذي يعكس منطقه حالة (النغنغة ) والرفاهية التي يعيشها أو عاشها في مهجره؛ فقد ذُهل هذا السيد المحترم عن المثل الذي يردده أهله السودانيون صباح مساء من أنه (ما جبرك على المر إلا الأمر منه) .. فلو أن هؤلاء العائدين المغلوبين على أمرهم وجدوا في بلادهم الحد الأدنى من فرص الحياة والعيش الكريم، لما اختاروا (النجيع) وهجرالديار إلى المجهول .. ألم يشاهد السيد المحترم شاشات الفضائيات التي تعرض كل ليلة جثث المهاجرين الأفارقة الطافحة على شواطيء المتوسط وبينهم سودانيون؟ ومع ذلك يخرج علينا زاعقاَ - متملقاَ بأن هؤلاء أحرجوا البلد .. يقصد الحكومة طبعاً .. و سها عمداً عن الحقيقة التي تخزي العين، والقائلة إن البلد وحكومتها هي التي أحرجت هؤلاء ودفعت بهم إلى الخيار الوحيد، المغامرة، بمنطق (يا غرِقْ يا جيت حازمه) !!

صفحتنا على الفيسبوك

الى الاعلي