تلفون : 83741732 بريد الكتروني :Contact@akhirlahza.net فاكس : 83793073 - 83740992
الخرطوم ,
إضاءات - طه النعمان

إضاءات - طه النعمان (56)

Email: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

حمزة محمد نور: شهادة عدل ومؤانسة (1 )

 

*حمل إليَّ الصديق العزيز د. محمد المهدي بشرى إثر عودته الأخيرة من مملكة البحرين هدية لاتقدر بثمن، بعثها معه صديق عزيز آخر هو مولانا الأستاذ حمزة محمد نور الزبير، القاضي السابق بالسودان، والمستشار القانوني لعدد من مؤسسات البحرين المالية، و الذي كان يشملنا بمودته وكرمه الفياض كلما حط رحالنا بالمنامة، فننام غريري العين هانيها .. حمل إليَّ كتاب مولانا حمزة الصادر في أواخر العام الماضي، والذي حمل عنوان ( ذكرياتي .. من أوراق قاض سابق) وقدم له د. محمد المهدي بتصدير مترع بالمعرفة و المحبة التي جمعت بينهما منذ عهد الطلب بجامعة الخرطوم، وكلاهما كانا من الدفعة التي تلينا في (غردون) الجميلة أيام الزمن زين والشعر مغطي الإضنين.
* دكتور مهدي وصف كتاب مولانا حمزة  - عن حق - بأنه «موسوعي بامتياز»، ذلك لتنوع موضوعات الذكريات و تشعبها، وهو تنوع عزاه مهدي لخاصية التنوع الغني و المدهش بإمعان، الذي تنطوي عليه مكونات المؤلف الجينية الشمالية - الجنوبية ، والذي هو مصدر اعتزاز وفخر بانتماء ممتد ومتجذر في تربة هذا الوطن الكبير (سودان وادي النيل) .. مثلما كان باعث حزن تراجيدي أن يعيش ليرى وطنه الحبيب هذا ينشطر بين ليلة ظلماء وضحى أغبر ينشطر إلى نصفين، وبصياح (ديك العدة) يؤذن في الناس: ( كل قرداً يطلع جبله) على حد تعبير حمزة، وحيرته أيُّ الجبلين يختار، تماماً كما حيرة جل أهل السودان الذين دهمتهم الطامة، إلا أن كارثة حمزة أشد وطئاً وأقوم قيلا .. وكان تأثيرها عليه سيكون ماحقاً لولا أن هيأ له الله اغتراباً ميسوراً، وربما وطناً بديلاً، كان حفياً بقدراته النوعية وذكائه الخلاق.. فاسمعه  يعبر عن مأساته وفقده المروع بهذه الكلمات الحارقة : الانفصال بالنسبة لي ليس انشطار وطن إلى نصفين و (كل قرداً يطلع جبله) كما يقول المثل، إذ لم يعد لي بعد الانفصال جبل أرتقيه بكلي أو تباعيضي، فأنا لست شمالياً صرفاً، أو جنوبياً صرفاً، أنا السودان ( الحدادي مدادي ) الذي تشظى وضاعت هويتي معه في غفلة من الزمن .
* بين الرنك الجنوبية  والخرطوم وحلفاية الملوك في عز الشمال، توزعت وتنوعت حياة صاحبنا، من طفل يساعد جدته خميسة مرجان في زراعة الفول السوداني بـ(قوز الخشابة) في مواسم الخريف، ويختلف إلى مدرسته بالرنك عندما تفتح المدارس، لا يتأفف أو يتعالى على العمل اليدوى، برغم بحبوحة العيش ودار جده الزبير محمد نور ذات (الحيشان التلاتة) المنتصبة في قلب الرنك مثابةً (للغاشي والماشي) من التجار وأصحاب اللواري وكبار موظفي الدولة والشخصيات السياسية والاجتماعية المرموقة، العابرين جنوبا أو العائدين، يستقبلهم ديوانه صباح مساء ويكرم نزلهم بلا من ولا أذى؛ وتلك كانت بعض خصال (سر التجار) في ذلك السودان الكبير الذي فقدناه.
 * أما في الشمال فيعود نسب والده محمد نور الزبير محمد نور قدورة إلى البديرية الدهمشية (الجعليين)، وكان أبرز شيوخ البديرية في الحلاية أيام العبدلاب، وكان بعض أحفاده من أبرز معاوني الزبير باشا ود رحمة، بينما والدته بتول آدم يل، فهي حفيدة الناظر يل كور، أول ناظر عموم لقبائل الدينكا المستوطنة شرق النيل الأبيض بين جودة و بور، حيث جرى تنصيبه عام 1912 بُعيد إعادة الفتح، وسمي لاحقاً حقل البترول الذي تستثمره شركة بترودار في فلوج بـ(عداريل) على اسمه تخليداً لذكراه .
 *  واحتفاءً واعتزازاً بهذا النسب المتنوع والمتعدد، كتنوع وتعدد وطنه السودان، وجد في نفسه حافزاً تلقائيا للالتحاق بالحركة الشعبية وتبني أطروحاتها السياسية الداعية إلى (سودان جديد) يستجيب لتطلعات شعبه في وحدة على أسس جديدة، قوامها المساواة والعدالة والديموقراطية والتنمية المتوازنة، وطنٌ مستوعِبٌ لجميع أبنائه، غض النظر عن عرقهم أو ثقافتهم أو دينهم .. لكن من أسف فوجئ صديقنا حمزة كما فوجئ أهل السودان جملةً، بأن الحركة كانت أول من تنكَّر لمشروع السودان الجديد .
يتبع...

صفحتنا على الفيسبوك

الى الاعلي