تلفون : 83741732 بريد الكتروني :Contact@akhirlahza.net فاكس : 83793073 - 83740992
الخرطوم ,
إضاءات - طه النعمان

إضاءات - طه النعمان (56)

Email: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

اضاءة الأحد 27 أغسطجس ( الفيمتو- ثانية)

 

 

بين محمود محمد طه وأحمد زويل !
* بعد عقود متطاولة من الزمن، عدت أطلع على بعض مؤلفات الأستاذ محمود محمد طه زعيم الإخوان الجمهوريين، وشهيد الفكر الأهم في أواخر القرن العشرين .. و إذا سألتني عن مناسبة العودة، فهي قد جاءت بالتداعي لما كنا فيه من عرضٍ لكتاب الأستاذ حمزة محمد نور، الصادر حديثاً  تحت عنوان (ذكرياتي .. من أوراق قاضي سابق)، والذي كان من بين أهم فصوله ِ شهادته المتعلقة بـ( قوانين سبتمبر) المسماة شرعية والتدابير القانونية التي حيكت باسمها للتخلص من الأستاذ محمود، الذي تم إعدامه في الثامن عشر من يناير 1985. .
* من بين تلك المؤلفات ، كان كتابه التأسيسي (الرسالة الثانية من الإسلام) والذي يُعتبر العمدة في (الفكرة الجمهورية)، كما يحب أن يطلق هو وتلاميذه علي جهوده الفكرية.. استوقفني في ذلك الكتاب ما ذهب إليه الأستاذ محمود من دعوته لتطوير الشريعة، وهو يفسر الآية الكريمة (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)، في معرض رده على معارضي دعوته لتطوير الشريعة إلإسلامية، تلك الدعوة التي نال بسببها نَصَبَاً شديداَ، وعداوة بالغة كانت نهايتها القتل والتخلص من جثمانه.. فبقراءتي لذلك التفسير الوارد في مقدمة الطبعة الرابعة من كتاب (الرسالة الثانية)، في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، وجدت تشابهاً شديداً بين الفكرة التي انطوى عليها تفسير الأستاذ محمود لتلك الآية، وفكرة العالم المصري – الأمريكي الدكتور أحمد زويل التي نال بمقتضاها جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999، باكتشاف ما أصبح يعرف بـ(الفيمتو- ثانية)، وهو الاكتشاف الذي كنت  قد تابعتُ بعض تفصيلاته في برنامج (قبل الطبع) لأحمد المسلماني، بقناة (دريم) المصرية، بمناسبة مرور عام على رحيل د. زويل، رحمه الله * أدهشني ذلك التشابه الذي يصل حد التطابق بين الفكرة لدى الرجلين العالِمين، برغم اختلاف الحقول والمنطلقات المعرفية .. التقى محمود وزويل في النتيجة (الفكرة) دون أن يلتقيا كفاحاً ومباشرة أبداَ.. وسبق الأستاذ محمود الدكتور العالم بعشرات السنين، للقول بتفصيل مدهش لذات الفكرة، فكرة (الوحدة الزمنية) المتناهية الصغر حد التلاشي، التى يسميها محمود انطلاقا من كدحه العرفاني – الباطني بـ(وحدة زمنية التجلي) ويسميها زويل انطلاقا من معمله وتكنولوجيا العلوم العصرية المتطورة بـ(الفيمتو- ثانية) ..وقبل أن نعرض النتيجتين اللتين خلص إليهما الرجلان لابد لي أن أقرُّ بجهلي، وأعترف بأنني لم أقف على تلك الفكرة فيما قرأته أو سمعته من قبل، لذا وجب عليَّ التحفظ، فيما إذا كان قد سبقهما إليها أي من علماء الظاهر أو الباطن، وذلك من قبيل الاحتياط والحذر.
* يقول الأستاذ محمود إن تطوير الشريعة لايعني أنها ناقصة، كما يعتقد البعض،  وهذا قول بعكس الحق تماماً، فإنه إنما يتطور الكامل .. فالكُمَّل من العارفين مثلهم الأعلى أن يتخلقوا بما وصف الله تعالى به نفسه، حين قال عز من قائل (كل يوم هو في شأن) .. فهم يجددون  حياة فكرهم وحياة شعورهم، كل يوم .. وهنا يدخل على الفكرة ويشرح: واليوم عندهم هو يوم الله .. وليس هو هنا أربعاً و عشرين ساعة، وإنما (وحدة زمنية التجلي) و تلك " زمنية" أصغر من الدقيقة، بل أصغر من الثانية، بل أصغر من الثالثة – لم أفهم ما هي (الثالثة) هذه – إنها "زمنية " قد تنقسم فيها الثانية إلى بليون جزء، حتى أنها لتكاد أن تخرج عن الزمن، في المدلول الذي يتصوره العقل للزمن .. ويمضي على نحو تطبيقي فيضرب مثالاً بالقول : فالعشبة الضئيلة التي تنبت في سفح الجبل، فتخضر وتورق وتزهر وتمثر، ثم تلقى ببذرتها في تربتها، ثم تصير غثاء  تذروه الرياح، أكمل من الجبل الذي يقف فوقها عالياً متشامخاً يتحدى هوج الرياح  ..الخ
* أما د. زويل فقد انطلق من الوحدة الزمنية (الثانية) وأن الثانية هذه (اللحظه) التي تطرف فيها العين لها درجات قياس مكونة من أجزاء دقيقة جداً .. فهناك (الميكروثانية) الي تعني جزء من مليون من الثانية، وهناك (النانوثانية) والتي تعني واحد من مليار أو (بليون) جزء من الثانية، كتلك التي أشار إليها الأستاذ محمود ثم أطلقها باتجاه التضاؤل بقوله (حتى لكأنها تكاد تخرج من الزمن الذي يتصوره العقل) ليلتقي مع زويل في (فيمتو- ثانيته) التي تعني جزء واحد من مليون مليار جزء من الثانية، وأقرب تقريب للأذهان لفهم هذه الوحدة الزمنية، هو المقارنة بين الثانية و32 مليون سنة .. أما (جنون) أحمد زويل، على حد وصف أحدهم لعبقريته، فيتمثل في قيامه وفريقه بتصوير التفاعل الكيميائي في الفيمتو ثانية، عبر تطوير كاميرا شديدة الدقة، قادرة على رصد التفاعل في هذا الإطار الزمني متناهي الصغر .. ولك أن تتصور المنافع من هذا الاكتشاف الذي تستفيده البشرية في مختلف حقول المعرفة والانتاج .. رحم الله الأستاذ محمود و الدكتور زويل و بوأهما مقامات يرضونها وترضيه .  

صفحتنا على الفيسبوك

الى الاعلي