تلفون : 83741732 بريد الكتروني :Contact@akhirlahza.net فاكس : 83793073 - 83740992
الخرطوم ,
إضاءات - طه النعمان

إضاءات - طه النعمان (54)

Email: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

د. إبراهيم الأمين.. سياحة سياسية في الشرق الأوسط !(1)

 

<  قديماً قيل إنك لن تعرف إنساناً معرفة حقة إلا إذا جاورته أو رافقته في سفر، ولم يضيفوا إليها فرصة ثالثة، ربما أهم وأخطر، هي صحبة السجن التي تستجلي المعادن، كما تفرز النار بشواظها الملتهبة الذهب من النحاس .. التقيته وتوثقت صلتي به هناك، حيث لا يتقي الجلاد الله في جهره أو سره، ولا يخشى ملاحقة قانون أو مؤسسة، وكل همه إلحاق أكبر قدر من الأذى لمواطن لا يعرفه ولايسأل عن أي ذنب جناه قبل أن يبدأ مهمته للعسف والتنكيل .. فبعد أكثر من شهر في الحبس الانفرادي، نقلت إلى الزنزانة (21)، حيث حُشر جمع من المواطنين الأفاضل يعادل عددهم رقم الزنزانة تقريباً، ولاتزيد مساحتها على العشرين متراً إن لم تقل، وتلك قصة لم يحن أوان تفصيلها .. هناك التقيت دكتور إبراهيم الأمين رابضاً بين رفاقه، عارياً مثلهم إلا من سروال طويل، فحر الزنزانة يُجبر الجميع على التجرد إلا مما يستر العورة .. وهناك تعرفت عن قرب قريب على الرجل الذي كان بالنسبة لرفاقه نسمة عطر، ولمسة حنان وتسامي فوق غبائن الظلم والعدوان .. كان يشغل وقت أصحابه بالكلم الطيب وبمعارفه الغزيرة في التاريخ والسياسة والعلوم الدينية، فحوَّل بذلك مناخ المحبس الخانق حديقة غناء، بصبره وأناته وحلمه الفياض.
<  منذ أسبوعين تقريباً اتصل بي الدكتور، وطلب مني أن أمرَّ عليه في مكتبه الجديد ببرج التضامن، وهناك فاجأني بإهدائي ثلاثة إصدارات دفعة واحدة .. كتابان هما (الشرق الأوسط في مرمى النيران) و(اللاعبون الجدد في الشرق الأوسط) وكراسة بعنوان (غريبة في بيتنا) هي مجموعة مقالات له نشرت في أوقات سابقة.
<  الدكتور إبراهيم الأمين سياسي ليس كمعظم السياسيين الذين نعرفهم، أو الذين التقيناهم في معتركات الصحافة والسياسية السودانية أو الشرق أوسطية، ويبدو أن تدريبه الأولي كطبيب اختصاصي قد أثرى وأثر على نهجه في التعاطي مع السياسة، مثلما كان يتعامل مع مهنته كطبيب، فأخذ السياسة مأخذ الباحث الذي يكدح لزيادة معارفه، وتوسيع رؤاه، بحيث يكون له إسهامه الذاتي ضمن فريقه الحزبي خصوصاً، أو على مستوى الأمة والوطن على وجه العموم.
<  في كتابه (الشرق الأوسط في مرمى النيران) يذهب دكتور إبراهيم في سياحة ببلدان الشرق الأوسط وشعوبها، وبين الأحداث المعاصرة واليومية، ما يجعل القاريء يطالع الحدث بمنظارين: منظار حديث مصوب للوقائع الآنية، ومنظار آخر يرصد الخلفيات المتراكمة عبر الزمن والتي شكلت المشهد الراهن، والكفيلة أيضاً برسم اللوحة المستقبلية التي تنتظر تلك البلدان والشعوب في مسارات الزمن الآتي .
<  قراءة عناوين الفصول الأحد عشر لكتاب الشرق الأوسط في مرمى النيران الرئيسية والفرعية يمكن أن تعطينا فكرة عن منهج الباحث الدكتور، الذي إليه أشرنا في السطور السابقة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يتناول الفصل الأول الإجابة على سؤال إلى أين يتجه الشرق الأوسط، من خلال عرض لأهم الأحداث التاريخية، بدءًا من سقوط بغداد على يد هولاكو، مروراً بفقدان الأندلس وسقوط غرناطة، وانهيار الامبراطورية العثمانية، وحتى السيناريوهات المعاصرة التي تشهدها المنطقة، كسيناريوهات الاندماج والتفكيك من وجهة نظر المؤرخين والمحللينٍ، كما هو الحال مع برنارد لويس ونبوءاته بشأن المنطقة،  وهنري كيسنجر وتوقعاته ( العدميَّة) لمستقبل العرب مع حرب كونية ثالثة تحولهم إلى رماد .. الكاتب يتناول أيضاً العديد من القضايا والتحديات التي ستواجه المنطقة العربية خصوصاً مع انتشار العولمة، على المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية.. كما تناول بإسهاب وتفصيل المشروع الأمريكي (مشروع الشرق الأوسط الكبير) ومراميه وما ترتب عليه أو ما ينتظر أن ينتج عنه من مشاكل واختلالات تضرب استقرار المنطقة واستقلال القرار الوطني لدولها، ونظر د. إبراهيم أيضاً في المشروع الإسرائيلي ومدى تماهيه أو مخالفته للرؤية والمشروع الأمريكي في ما يتصل بإيران مثلاً .
<   طاف الدكتور في سياحته السياسية الشرق أوسطية على كل بؤر التوتر المشتعلة أو الخامدة والمنتظرة من إيران الفارسية، إلى تركيا العثمانية، إلى روسيا العائدة بقوة إلى المياه الدافئة، إلى العراق وسوريا، إلى السعودية وعلاقاتها الأمريكية منذ عهد الملك المؤسس، حتى انتهى إلى السودان الذي يسميه (الجبهة الجنوبية للعالم العربي)
<  لن نتجاوز الحقيقة كثيراً إذا ما قلنا إن د. إبراهيم الأمين قد وفَّر بكتابه الشرق الأوسط في مرمى النيران دائرة معارف أي (انسايكلوبيديا) مصغرة وشاملة للقراء والباحثين على حد سواء .. أما (اللاعبون الجدد في الشرق الأوسط) فسنقف على أهم ملامحه في الحلقة التالية إن شاء الله .    
  يتبع       

صفحتنا على الفيسبوك

الى الاعلي