تلفون : 83741732 بريد الكتروني :Contact@akhirlahza.net فاكس : 83793073 - 83740992
الخرطوم ,

إيران.. الظلمُ مُؤذنٌ بخراب العِمران!

< منذ الخميس الماضي، ونحن نتابع الاحتجاجات الشعبية في إيران، التي بدأت - للمفارقة -  صغيرة و محدودة من مدينتي (مشهد وقُم) مرابض المَلالي والحوزات العلمية الشيعية، لكنها أخذت تنمو وتكبر، كما كرة الثلج، كلما تقدمت من مدينة أو منطقة إلى أخرى، حتى بلغت قلب العاصمة طهران واقتربت من قصر مرشد الجمهورية علي خامنئي، فأخذ المحتجون الغاضبون ينزعون صوره الجدارية ويمزقونها ويحرقونها ويدوسونها بالأقدام، ويهتفون ملء حناجرهم: الموت للديكتاتور .. حرية و عدالة وإيران ديموقراطية.. وتسقط ولاية الفقيه، والعديد من الشعارات المنددة بفساد النظام وطغيانه .
<  بدأت الاحتجاجات التي تحولت باكتمال الأسبوع الأول إلى انتفاضة شعبية كاملة الدسم بشعارات اقتصادية، ضد الفقر والبطالة والتهميش.. لكنها بالنظر لواقع النظام وسلوكه كانت تستبطن بعداً سياسياً حاداً .. فقد مزج المتظاهرون، وربطوا ربطاً محكماً بين فقرهم ومعاناتهم وسياسات النظام المُبدِّدة لثروة البلاد الغنية النفطية لخدمة طموحاته الاقليمية وصرفها السفيه على ما يدّعي قادته من (تصدير للثورة ونصرة للمستضعفين) وعلى نشر الآيدلوجية الشيعية الإثنى عشرية.. لكن ريثما انتقلت تلك المطالب المحقة، مع انتشار الزخم الثوري السريع إلى شعارات أكثر حسما وجذرية.. فتحولت إلى المطالبة بإسقاط النظام والمناداة بتحول ديمقراطي كامل، يفكك قبضة الملالي الخانقة على رقبة الدولة، ويعيد القرار إلى الشعب ليختار من يحكمه وفق البرنامج الذي يرتضيه، عوضاً عن صيغة الديموقراطية (الآلية) المزيفة التي تحصر تداول السلطة بين جناحي النظام، محافظين وإصلاحيين.. صيغة ابتدعها الخميني وصَحبَه فور اختطافهم الثورة في 1979، لتأسيس نظام ديني- طائفي- ثيوقراطي، بدأ عهده وعمله بتصفية رموز الثورة وكوادرها وقواها التي أطاحت بالشاه ونظامه، وادعى أنه جاء لخلاص البشرية، برغم كل ما انطوت عليه نظرية (ولاية الفقيه) من خرافة وتهويمات مغيبة للعقل في انتظار عودة (الإمام الغائب) الذي يملأ الأرض عدلاً وخيراً بعد أن مُلئت جوراً وظلماً.
< خامنئي لم يجد ما يقوله للمحتجين وللرأي العام العالمي سوى تشغيل الأسطوانة القديمة المعلبة التي يرددها كل ديكتاتور وقت الزنقة، والقائلة بأن المحتجين يحركهم أعداء إيران من الخارج بالتمويل والتسليح والاستخبارات، مع أن العالم كله يتابع ويعلم كيف بدأت الحكاية، مثلما يدرك الكثير عن سلوك النظام الذي كان الدافع الأساسي لتحرك الشباب الإيراني وتجرؤه على كسر حاجز الخوف.. برغم قسوة النظام وبطشه المشهور بكل من يرفع صوته بالاحتجاج أوالمعارضة.. ولا صحة لما ادعاه الرئيس حسن روحاني بأن حرية التعبير مكفولة، إذا ما كفَّ المحتجون عن التخريب أو المساس بالمصالح والممتلكات العامة والخاصة .. في وقت تتزايد فيه أعداد القتلى والجرحى وزُجَّ بالآلاف في المعتقلات.
< لربما لسوء حظ النظام أن تنفجر الاحتجاجات في وقت تغيرت فيه الإدارة الأمريكية، وجاء رئيس (لا سياسي) هو دونالد ترامب الرافض أصلاً ومنذ حملته الانتخابية لنهج أوباما المهادن لإيران، والذي حرص على توقيع الاتفاق النووي المعطوب معها، ضمن مجموعة ال(5+1)، والذي لا يتعدى في جوهره (عملية تأجيل) مبرمجة لحصول إيران على السلاح النووي بعد مضي فترة العشر سنوات .. ترامب وإدارته رأوا في سياسة أوباما تفريطاً بمصالح أمريكا و أمنها القومي وأمن حلفائها في الشرق الأوسط، خصوصاً في ضوء (البرطعة) الإيرانية في المنطقة من العراق إلى سوريا ولبنان والبحرين واليمن، وحتى بعض بلدان الشمال والغرب الأفريقي.. ما حمل ترامب إلى التهديد بالخروج على الاتفاق النووي، أو على الأقل فرض عقوبات جديدة إذا ما واصلت إيران تطوير قدراتها النووية والتدخل في شؤون جيرانها وزعزعة استقرارهم عبر مليشياتها كحزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن وعناصرها في البحرين والسعودية .. فلا غرابة إذن أن نرى تغريدات ترامب تتوالى شجباً لعنف طهران تجاه المتظاهرين، وأن نرى سفيرته في الأمم المتحدة نيكي هايلي تدعو لانعقاد مجلس الأمن ومجلس حقوق الانسان للنظر في الأوضاع والتطورات المستجدة في إيران.. كذلك وجد سلوك النظام تجاه الاحتجاجات من تهديد بإعدام المعتقلين- كما قالت محكمة الثورة - تنديداً من العديد من العواصم الأوربية .. وكل ذلك يشكل دعماً معنوياً للمنتفضين، الذين لن يشعروا بتخلي العالم عنهم كما حدث مع (الثورة الخضراء) عام 2009 في عهد أوباما.
<  ونختم بالقول أنه في ضوء شراسة نظام الملالي وما يحوزه من قدرات قمع وردع، ممثلة في الحرس الثوري والباسيج وقوى الأمن  والجيش ومناصري النظام من القوى التقليدية والدينية المؤمنة بالأفكار الطائفية، فإن المحتجين سيواجهون مقاومة فظيعة ودامية لكي يصلوا إلى هدفهم النهائي .. لكن من الجانب الآخر، فإنه لاسبيل أمام هؤلاء المنتفضين لكي ينجوا بأنفسهم من المجازر والتنكيل سوى استمرار المعركة حتى سقوط النظام، فأي تراجع أوتقاعس سيضع رؤوسهم ورقابهم جميعاً تحت أسنة المقاصل و أحجار المطاحن.. وفي كل الأحوال نقول كما قال ابن خلدون في مقدمته: (الظلمُ مُؤذنٌ بخراب العِمران)، وتلك سنة الله في خلقه ماضية إلى يوم الدين.     

قراء 2110 مرات

صفحتنا على الفيسبوك

الى الاعلي