تلفون : 83741732 بريد الكتروني :Contact@akhirlahza.net فاكس : 83793073 - 83740992
الخرطوم ,
إضاءات - طه النعمان

إضاءات - طه النعمان (56)

Email: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ورحل الطيب (الونَّاس)..2-2

 

 

< لم أجد في هذا المقام، مقام الحزن واللوعة لفراق الحبيب الطيب صالح، عزاءً أفضل من استعادة عزائه هو ذاته لصديقه و (ابن كاره) الروائي يوسف إدريس، فالمقام هو المقام،  واللوعة هي اللوعة، وتلك سنة الله في خلقه ( موتى أبناء موتى) إلى يوم يبعثون .
< كتب الطيب وخطب في مهرجان أصيلة في حفل تابين أقامه شهود المهرجان من الكتاب للراحل الكبير يوسف إدريس، و خاطبه إلى جانب الطيب صديقه رائد أصيلة وزير الخارجية المغربي الأسبق محمد بن عيسى، وأحمد إبراهيم الفقيه الروائي الليبي الموهوب، وأحد حواريي يوسف إدريس، ومبارك ربيع من المغرب وجمال الغيطاني المصري، وكان الغيطاني هذا أول من سمعته ينعى الطيب بنثر بديع من إذاعة بي بي سي فور إعلانها نبأ الرحيل .. كتب الطيب يقول في مهرجان التأبين ذاك بأصيلة: كان يوسف إدريس صاحب موهبة ضخمة لا يبالغ الإنسان إذا وصفها بالعبقرية، والموهبة عبء ثقيل فيه بعض معاني اللعنة .. وإذ حمل نجيب محفوظ هذا العبء بجلد ومصابرة كما يفعل الزهاد العابدون، كان يوسف إدريس يبدو أحيانا وكأنه ينوء بهذا العبء، وكأنه لو استطاع أن يلقيه عن كاهله ( لفعل).. كان يتأرجح بين أحوال من الاكتئاب والبهجة.. وربما حاول أمراً عسيراً، أن يحيا الحياة إلى أقصى مداها، كما يشاء أن يصنع فنا عظيماً.. ولعله نجح بعض النجاح، ولكنه دفع الثمن الذي لا مناص منه آخر الأمر.
< ويضيف الطيب: قلت له في بغداد أثناء الضجة التي افتعلها حين نال نجيب محفوظ جائزة نوبل: (ياخي انت عاوز تتمتع بالحياة وتتفسح وتعمل ما تعمل، وكمان تاخد جائزة نوبل؟!).. ضحك (يوسف) من أعماق قلبه، كما كان يفعل، فلم يكن يضمر حقداً لأحد، وقال لي و(ليه لا؟!).. كان يوسف في الحقيقة إنساناً كريماً طيباً طيبة بالغة، إذا وجد منك وداً ومحبة أعطاك وداً بلا حدود. وعلى مدى ربع قرن من الزمان لم أجد منه ولم يجد مني غير الإخاء والود.. ولن أنسى ما حييت عبارة قالها لي ذات يوم ( تعرف يا طيب أنا لما أقرا لك بحس بالونس) .. كانت عبارة عميقة مؤثرة ظللت أذكرها وأنوه بها . فالكاتب على وجه الخصوص، يدرك الوحشة التي تجلبها ممارسة هذا الفن الملعون.. أن تعلم أن لك (إخوة في البلاء)، يعزيهم أنك موجود، وأنك تكتب، وأنك تفرح لوجودهم وإبداعهم، ذلكم الذي يبدد الوحشة، ويصبِّر على البلوى ويجلب ( الونس). أصوات تنشد في حلكة الوجود، يأخذ بعضها من بعض و يعطي، تتجاوب أصداؤها من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى قطر، ومن قارة إلى قارة، بل من زمان إلى زمان، تصنع من تفاهات الواقع وعذابات العمر القصير الغابر (شيئا لعله يستمر، لعله يبقى) ذلك هو، ولايمكن تحقيقه إلا بالمحبة، وكان صوت يوسف إدريس صوتاً نادراً من هذه الأصوات، سوف يقوى وقعه وتأثيره على مدى الأيام.
<  ختم الطيب - على قبره شآبيب الرحمة وجزيل الغفران- رثاءه ليوسف إدريس بصياغة وريفة لمعنى الحياة والموت، فقال: ها هو الإنسان الكائن البشري المحدود الأجل، الذي قطع رحلة العمر كما ينبسط الظل ثم ينطوي، ها هو ذا قد مضى.. يوسف إدريس لم يعد.. سوف يبقى فنه العظيم، إنما حتى هذا عندي، وعند كثيرين من أمثالي الذين أحبوه و أحسوا بـ(الونس) لمجرد أنه موجود يرهف السمع لصوتك، وترهف السمع لصوته ذي الجاذبية الفريدة.. أقول حتى هذا لا يعزي فقده.
<  أما نحن - السودانيين – فماذا يعزينا في فقد الطيب صالح.. لا شيء يعزينا أو يعوضنا عن هذا الفقد العظيم .. نعم لا شيء غير الاحتساب لله الذي لاحول ولا قوة إلا به.. فكم (آنس) الطيب وحشتنا، كم عطر ليالينا بشذى حروفه المورقة والباذخة، كم كانت طلته بطلعته البهية مجلبة للطمأنينة والثقة بمستقبل جميل، وكم كان دفء صوته يبدد عن كواهلنا برودة الواقع وقشعريرته المميتة .. طبت حياً وميتاً يا طيب، ونرجو لك عند من لا يخيب عنده الرجاء مقاماً رفيعاً في جنان الخلد بين الشهداء والطيبين والصالحين.    

صفحتنا على الفيسبوك

الى الاعلي