تلفون : 83741732 بريد الكتروني :Contact@akhirlahza.net فاكس : 83793073 - 83740992
الخرطوم ,
لو.أن - اسحاق الحلنقي

لو.أن - اسحاق الحلنقي (12)

بين الجابري وطائر البلوم

  ٭  كان الفنان الراحل أحمد الجابري يعيش حالة من الهيام بطائر البلوم، أذكر أنه قال لي مرة إنه يتمنى أن يغني لهذا الطائر، بعدها بأيام وجدت نفسي أغادر إلى مدينة كسلا وأثناء جولة لي هناك على البساتين في السواقي الجنوبية، وجدت أمامي سرباً من طيور البلوم تتزاحم على جدول مياهه صافية كأنها من زمزم، فجلست هناك تحت شجرة من البرتقال كثيفة الظلال لأكتب أغنية (البلوم في فرعه غنى)، فغناها الجابري ولم تزل حتى هذه اللحظة تنتقل بين الناس تشعل أنفاسهم طرباً.٭  حكي سجين محكوم عليه بالإعدام في مدينة بورتسودان، لصديق يتقاسم معه زنزانة السجن أنه وقبل أكثر من عشرين عاماً ارتكب جريمة قتل تمت تبرئته منها لعدم كفاية الأدلة وهو الآن ينتظر حكماً بالإعدام على جريمة لم يرتكبها، وقال : إن الشهود أجمعوا على وجوده خارج البلاد أثناء حدوث هذه الجريمة، إلا أن المحكمة لم تقتنع بأقوالهم فصدر عليه الحكم سالف الذكر.٭  كلنا يعلم أن سفاح إيطاليا المعروف موسليني جعل من الشعب الإيطالي مجرد مجموعات من الحملان كان هو جزارها، ويروى أن موسليني شهد حفلاً في إحدى المدارس الثانوية، حيث استرعت انتباهه صبية كانت تعزف على البيانو لحنا لـ (موزارت) فهام بحبها إلى درجة أن عدداً من قواده المقربين نصحوه أن يترك دربها، مؤكدين له أنها قد تتسبب في كارثة يدفع ثمنها الشعب الايطالي، خاصة وأن البلاد كانت أيامها تعيش حالة حرب، فخاطبهم القائد العجوز قائلا: لم تتبقَ لي شموعاً أخشى عليها من الرياح فدعوني أعيش، وقيل إنها بعد قيام الثورة التي أطاحت بمجده السلطوي نظرت إلى رأسه معلقاً في أحد الميادين العامة، فقالت لأختها ليته كان بين أحضاني أضمه بعيوني كما كنا في سالف الأيام، وهكذا الحب يجعل من الجبابرة عشاقاً.٭ هدية البستانفارق أرض القاش وروح خلا أرض القاش حزينهوقدر ما حاولنا نكتم جرحنا ونسكت بكانايا حليل ضحكاتو تملا بيتنا نحنا زهور وزينهيا حبايب الريد قطارو اخروهو شويه لينا

ما الذي فجر دموع أبو عركي

  ٭ أوقف أبو عركي البخيت عربته أمام مستشفى أم درمان، أخذ يبكي بصوت متقطع وهو يشير بيده إلى أعداد من المرضى يتكدسون على أبوابها، منهم المرأة الحبلى تضع يدها على بطنها والطفل ذابل العيون والعجوز الأعمى يبحث عن أحد يتكرم عليه بجرعة ماء، قال لي أبو عركي إن هذا المشهد لو نظر إليه الصخر لأشاح بوجهه حتى لا يتأثر وجعاً فكيف يتحمله قلبي، وأخذ يردد: (لطفك يا رب العالمين).٭ رفضت لجنة الأصوات بالإذاعة إجازة صوت الفنان أحمد الجابري باعتبار أنه صوت لا يصلح للغناء، قرار اللجنة لم يتوقف عنده الجابري كثيراً، بل كان يحس في أعماق أعماقه أنهم ربما عدلوا عن رأيهم يوماً، فواصل الضرب على الصخر دون يأس، ذات مساء وأثناء مرور مدير عام الإذاعة على أعضاء لجنة الأصوات، أستمع لصوت الجابري وهو يغني أمامهم للمرة السابعة فخاطب أعضاء اللجنة منبهراً: ما أعذب هذا الصوت، وجد أعضاء اللجنة أنفسهم أمام مدير عام مغرم بصوت الجابري، فتمت إجازة صوته بامتياز.٭ في ماليزيا يصاب الأب بحزن شديد إذا علم أنه رزق ولداً، أما إذا كانت المولودة بنتاً صفق طرباً بقدومها، رحت أسأل نفسي ما الذي يجعل الأب الماليزي يصفق طرباً إن رزق بنتاً ويحترق حزناً إن رزق ولداً؟، ولن أخفي عليكم أحبابي الأعزاء أن ملاحظتي الشخصية كأب أكدت لي أن البنات ما أن يغادرن المنزل للزواج أو للدراسة في الخارج أو لأي سبب كان، تظل دواخلهن مترعة بالحنين إلى أيام كانت لهن بين أحضان الوالدين، على عكس الأولاد الذين غالباً ما تكون درجة الاشتياق عندهم منخفضة إلى درجة النسيان.٭ هدية البستانتقول لي ماشي من بكرة مهاجر لي وطن تانيده انت القلت ما بتفوت وطن بالعزة ربانيأهداك غيم تطير ليهو جوه عيوني ختاني

سبدرات وتاسع المستحيلات

  *أثناء إقامته حفلاً غنائياً بدولة الأمارات العربية المتحدة ،رفض الفنان الراحل إبراهيم عوض أن يصافحني باسما كما عودني، بل كانت تبدو عليه مسحة من غضب أزعجتني كثيراً ،بعد انتهاء الحفل اتجهت إليه لأساله عن أسباب هذا النفور المفاجئ ؟ فقال لي هل تذكر أنك أعطيتني وعداً قبل سنوات أن هجرتك لن تطول ،ولكنها طالت الآن بل تعدت الأعوام ، و نظر الي نظرة كان فيها شئ من دموع، ثم سرح بعيداً.*أؤكد لكم أن البحر قد يعلن انفصالا عن أمواجه وأن الشمس قد تعلن يوماً تمرداً على شروقها ولكن الشئ الذي يدخل في دائرة تاسع المستحيلات أن يتوقف الشاعر الكبير عبد الباسط سبدرات عن كتابة الكلمة الشاعرة ،عدد كبير من شعراء هذا الزمن توقفوا عن الكتابة ولكن ذلك لم ينل مني شيئا يذكر،ولكن أن يتوقف شاعر مثل سبدرات فإن في ذلك من الألم ما يجعلني أشعر أن المحلق لم يعد مغرماً بتاجوج ،وأن سيد عبد العزيز قد تنازل عن قيادة اسطول الأغنية السودانية.*لم يعد أحبابنا في الأسطورة كسلا يصدقون أن طائر الخداري إذا هبط على منزل في المدينة شهد المنزل عرساً في أقل من اسبوع ،إلا أن أهل كسلا اكتشفوا مؤخراً أن في الأمر شئ من اٌسطورة جعلت منه وهماً ،وذلك بعد أن لاحظوا أن هذا الطائر هبط بأكثر من منزل إلا أن هذه المنازل لم تشهد عرساً كما كان يحدث في الماضي ،جميع الأهل في كسلا لم يعد يؤمنوا بأن هذا الطائر يحمل البركة بين جناحيه ،إلا أنا فما زال قلبي معلقاً بجناحيه الخضراوين حتى هذه اللحظة.هدية البستانلو أبكي سنين ما تلوموني أنا شفت العسجد بعيونياتخلى عن اللون الأصفر واختار اللون الليموني

على هذا الشاعر أن يراجع نفسه

  * أثناء سباق عالمي للخيول بمدينة نيو ماركت شاركت فيه الأميرة (آن) بواحد من خيولها المحببة إلى قلبها، وبمجرد القيام بإطلاق صافرة البداية كان فرسها الأسود اللون يركض كأنه يطير في الهواء، إلى أن وصل لمنصة التتويج حائزاً على المرتبة الأولى، وذلك في أقل من الدقيقة الواحدة قطع خلالها مسافة سباق (الألف كليو متر) وبما أن الأعراف الملكية لا تسمح للملوك والأمراء أن يكشفوا عن مشاعرهم أمام العامة من الناس، إلا أن الأميرة (آن) كسرت هذه القاعدة، حيث قامت بتقبيل فرسها الحاصل على المرتبة الأولى بين عينيه وسط عاصفة من التصفيق، والمعروف عن الأميرة (آن) أنها تعتبر من أكبر ملاك الخيول المهجنة في العالم، أضف إلى ذلك أنها قد حصلت على معظم الجوائز الخاصة ببطولة اختراق الحواجز على مدى سنوات متتالية، فقد أكد بعض المقربون منها أنها يمكن أن تدفع نور عينيها ثمناً لحصان لونه أسود وذلك لشدة افتتانها بالخيول السوداء.* حقاً أصبت بما يشبه الصدمة وأنا استمع إلى أحد الشعراء، وهو يقول إن الزواج ماهو إلا غيمة صفراء اللون تعمل على وأد الأزاهر في مهدها، وأنا برغم احترامي للرأي الآخر إلا أنني اختلف مع هذا الشاعر إختلافاً جذرياً على هذا الرأي الذي يفتقد إلى أبسط مقومات الإقناع، حيث أنني أعلم جيداً أن عدداً من شعرائنا العمالقة إزداد جمالهم جمالاً بعد زواجهم، أرجو من شاعرنا أن يراجع نفسه، وأن يرفع التهمة عن كاهل الشموع المضاءة لأن الحياة بدون أليفة درب تتحول إلى لؤلؤة أصلها من زجاج.* قال الفنان الراحل عبد العزيز محمد داؤود ضاحكاً كعادته، إنه كان يخشى كثيرا أن تكون صلعته الملساء سبباً في نفور العذارى عن حضور حفلاته الماسية المترعة بالغناء.. وقال إنه فكر مرة أن يضع على صلعته باروكة كحال بعض الفنانين في ذلك الوقت.. إلا أنه تردد في ذلك وخشي أن يضعه ذلك الموقف في موقف ابن آوى وهو يغني للعصافير.. لم ترق له الفكرة فوضعها جانباً، وقال إنه أحيا مرة حفلاً ضخما على أحد المسارح، وكان يومها يضع العمامة على رأسه.. فأخذ المستمعون يطلبون منه أن يعمل على خلع العمامة، لأن رؤية صلعته وهو يغني تزيده جمالاً.. منذ تلك الليلة تمنى الفنان الذي عرف بالنكتة الحلوة والعبارة الساخرة أن تظل معه صلعته الملساء مصباحاً على أنوار الحفلات .. كان عليه الرحمة فنانا من عهد آخر.هدية البستانيا كسلا البريدك من جواي بريدووانتي الما بريدك حسرتو ما بتفيدوفيك زول قلبي رادو وقطع قلبي ريدو

ضد الإذاعة ثورة بيضاء يقودها الكاشف

  ٭ طالب الفنان إبراهيم الكاشف ومعه عدد من أصحابه من الفنانين برفع قيمة المكافأة المقدمة لهم من الإذاعة السودانية نظير مشاركتهم بتقديم عدد من أغنانيهم من خلالها، رفض مدير الإذاعة الراحل محمد صالح فهمي الإستجابة لمطالب الفنانين، وأكد أنه سيفتح أبواب الإذاعة لكل من يجد في نفسه قدرة على الغناء، وقال إن ذلك هو قرار نهائي لا رجعة فيه، حين شعر الفنانون أنه يصر على ذلك تراجعوا عن ثورتهم البيضاء فأصبحت ثورة من رمال.  *ابتسم الحظ لعجوز أمريكي حصل على أكبر جائزة لليانصيب في أمريكا، حيث بلغت قيمتها ملايين الدولارات، المؤسف في الأمر ان هذا العجوز حصل على هذه الجائزة وهو في أرذل العمر فأخذ يسأل نفسه بصوت عالٍ ماذا سأفعل بهذه الملايين، وأنا أقف على بوابة شتاء أنيابه سوداء ماذا سأفعل بجائزتي هذه، أخذ يكرر ذلك لأكثر من مرة وفي الصباح وجده عدد من المارة ملقي على الطريق جثة هامدة.  ٭ كان الفنان أحمد الجابري إذا أحس أن والدته تشكو من مجرد وعكة بسيطة امتنع عن الغناء حتى تشفى تماماً، أما إذا غابت عنه في زيارة لبعض الأقرباء ظل ينتطرها كما تنتظر الوردة الظامئة قطرة من سحابة، لم يحتمل هذا الفنان الكبير الوداع المفاجيء لأعز الناس والدته الحبيبة، فأصيب بحالة من شرود دائم ثم لحق بها بعد أسابيع قليلة من رحيلها.

سيداتي سادتي أيها الناس الحنان!!

    ٭ منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وأنا أعرف مبارك البلال، أعرف في هذا المبارك ابتسامة لا تفارقه بل تراها تحلق أمامه كأنها حمامة بيضاء عرفت في هذا الإنسان الرائع غفراناً إن شعر بالظلم، وسماحاً إن تعرض لشيء من الأذى، كل هذه الرؤى جعلتني كلما رأيته يمشي على طريق شعرت أنه يتجسد في سحابة نورية تبحث عن سماء لها بين الناس، هكذا عرفته رجلاً يحمل الورد لأولئك الذين لا يرون في الورد إلا أشواكه.. أسأل الله أن يعيده لنا جميلاً كما كان فنضعه على أهدابنا ونداري عليه بأنفاسنا.  ٭ أكد لي عدد من كبار الموسيقيين إن عازف الكمنجة المعروف عبد الله عربي، يتميز بطريقة في عزفه على الكمان قيل إنها من المفترض أن تدرس في أكبر المعاهد الموسيقية على مستوى الوطن العربي.. كنت حين أراه جالساً هناك على مقعد في زاوية بعيدة في اتحاد المهن الموسيقية، ينتابني إحساس بالشجن، وأنا أراه يسافر بعيداً مع قافلة من ذكريات لأحباب له رحلوا، فيظل في حالة من سفر بعيد إلى أيام كانت له معهم، إنه رجلٌ من زمن آخر.٭ سيداتي سادتي- أيها الناس الحنان- استمعت الى هذه الأغنية كسيحة المعاني من أثير قناة فضائية معروفة، استمعت اليها خلال اليوميين الماضيين فشعرت وأنا أستمع لها بهبوط في الضغط وارتفاع في السكر، وقد أوصلني ذلك إلى حالة من اليأس في أن هذه الأسراب من الذباب المتساقط على الأغنية السودانية، إذا استمر في هذا الإنقضاض على مشاعرنا بهذه الطريقة البشعة، فإن على أغانينا السلام، ولكن العشم لا يزال كبيراً في أننا سنتخلص يوماً من هذا العذاب طالما أن الرجال في إدارة أمن المجتمع لهم عيون لا تنام.٭ هدية البستان: عيش معايا الحب عيش معاي حناني خليني أنسى سنين أنا عشتهم وحداني.

درس تعلمته من التاكا

  * أثناء مشادة كلامية كانت بيني وبين كاتب اشتهر قلمه ببحثه المستمر عن حمامة يضع سكينه على عنقها، انتبهت فجأة إلى صوت الفنان كمال ترباس الذي كان قريباً منا، يقول لي: (ما قلت من ناس كسلا، وناس كسلا ناس طيبين) واستطرد قائلا : إن أهل كسلا يبحثون عن العذر لمن لا عذر له، وإن كان ظالما، أعادني ترباس بهذه العبارة إلى درس تعلمته من التاكا، وهو أن أكون مسامحاً، فبادرت ذلك الكاتب بالإعتذار، كثيرون لا يعلمون أن ترباس برغم تصريحاته اللاذعة، إلا أنه يحمل بين جوانحه قلبا صافيا كحليب الأمهات، وبهذه المناسبة نتمنى لترباس أن تظلله العافية وتتبعه السلامة ما دامت هناك شمس تشرق على حدائق برتقال السواقي الجنوبية في كسلا.* أخذت تتأمل ملامحها في المرآة وهي تتحسر في صمت على ضفائر كان لونها أسود يقتل الشعراء كمداً، وإلى عينين كانت إذا نظرت بهما إلى صخرة حولتها إلى بستان، وفجأة دخل عليها زوجها فأحس أنها كانت في حالة عناق مع المرآة وكلنا يعلم أن المرآة لها لسان لا يكذب، فتذكر أنه ظل يتمنى دائماً أن يكبرا سوياً، وأن يجلسا سوياً يحتسيان فنجان قهوتهما الصباحية، وهما يستدفئان بذكريات مضت عليها السنون، ولكنها لم تزل خضراء.* رفضت لجنة النصوص بالإذاعة السودانية أغنيتي «بدري من عمرك» وأشارت إلى أن المقطع الذي يقول (والله أنت سعيد يا البريدك أنا) فيه دلالة واضحة على كثير من النرجسية، وبما أن الشاعر الكبير إبراهيم العبادي كان على رأس هذه اللجنة، حاولت أن أقنعه أن في هذا القرار ظلماً كبيراً يقع عليَّ، وأكدت له أن هناك أكثر من أغنية تمت إجازتها من لجان سابقة حملت ما هو أكبر من اتهام لأغنيتي بالنرجسية، فقال لي أعطني مثالاً لذلك، فقلت له (القبلة السكرى)، فضحك قائلاً: أغنيتك تمت إجازتها، وقد كان.* هدية البستانبيك أيامي الراحة لقيتا.. وبيك أبواب الهم سديتالو حنيه قلبي  أبيتا.. وجيت بالدمعة المرة سقيتاأنا ما بنسى حنانك ليَّه.. أصلي وراك أيامي رميتا.

ما الذي كان يخافه إسماعيل حسن؟

  ٭ كلما أستمعت لأغنية الراحل محمد وردي (لو بهمسة) خاصة المقطع الذي يقول (خوفي منك)، تذكرت الشاعر إسماعيل حسن، شاعر هذه الأغنية، وقد لاحظت أنه كان دائم الخوف مما تخبئه الأيام، والدليل على ذلك أن معظم أغنياته لا تخلو من مفردة الخوف، ترى ما الذي كان يخافه (أبو السباع)؟ هل كان يعلم أن رحيله سيكون مفاجئاً وأن الأيام ستأخذه إليها وهو بين أطفاله، لا شك أنه (عليه الرحمة)، كان يشعر بذلك.٭ لم يزل الشاعر الراحل عمر الدوش يتصدر قائمة شعراء الرمز حتى هذه اللحظة، كان هذا العملاق ينظر إلى الأقزام من حوله يلبسون من ألوان فراشة الربيع وهو العملاق لا يلبس إلا قميصاً صنعه من خيوط لحزن قديم، تواصل حزن هذا المبدع بعد أن فشل في الترجل عن إقامة جبرية صنعها لنفسه، الذي يؤلمني أكثر أن الدوش لم يتمكن من اجتياز زنازين الأسى، فغادرها حيث لا أحزان تنتظر في الخارج.٭ فوجئ محافظ إحدى المناطق الأسبانية بالمئات من المواطنين بعد إصداره قراراً بإزالة شجرة ضخمة كانت تتوسط شارعاً رئيسياً في المدينة، فوجئ بهم يطالبونه بأن يسقط قراره ضد شجرة أحبوها إلا أنه أعتقد أن المسألة برمتها حالة من الغليان لا بد وأن تزول، إلا أنه خشي أن يتطور هذا الغليان الذي أخذ في التصاعد إلى درجة لا تحمد عقباها، فخرج على الناس ليعلن أمامهم أن قرار إزالة الشجرة الذي سبق أن أجازه صار لاغياً.٭ هدية البستانتقولي لي ماشي من بكرة مهاجر لوطن تانيتفارق خضرة النيلين وعشك فايتو وحدانيده انت القلت ما بتفوت وطن بالعزة رباني أهداك غيم تطير ليه جوه عيوني ختاني

أنا هذا الكروان

  ٭  الشكر كل الشكر لشرطة أمن المجتمع (النظام العام)، على ما تقوم به من حملات متواصلة على كل ما هو سالب في المجتمع خاصة مطاردتها للأغنيات الهابطة رديئة السمعة قبيحة الوجه عارية الصدر والانقضاض عليها بالسجن أو الغرامة أو الاثنين معاً، أمنيتي أن تستمر  هذه الحملات حتى لا تجد هذه الأغنيات مكاناً تحتله داخل مجتمعنا المؤسس على الفضيلة، ومن هنا أناشد الأخ بشير سهل أن يكون ضمن المحاربين لهذه الذبابة الليلية، وأن يتذكر دائماً أن ذلك يقع ضمن مسؤوليته كأمين عام للمصنفات الأدبية والفنية، كما أناشد سعادة الفريق هاشم عثمان مدير عام الشرطة أن يطلق يد شرطة أمن المجتمع حتى ننعم بالحماية الكاملة من براثن أغنيات فيها من الأذى ما يدفع أولادنا وبناتنا إلى طرق مجهولة. ٭  جاء في الأنباء أن الأشجار المصطفة على ضفاف نيلنا الحبييب منذ عشرات السنين، ربما تعرضت إلى قرار ستصدره حكومة الخرطوم تحيلها إلى مجرد جثث خضراء تتناثر هنا وهناك على أطراف نيل أحبها وأحبته، رحت أسأل نفسي ترى ما الذي جنته هذه الأشجار حتى تتعرض إلى طعنة من مقص حديدي يجول في أحشائها وأنا أقولها كلمة للذين لا يعلمون إن هذه الأشجار تعد شاهد عصر على بطولات لنا صنعناها بدمائنا وإن مجرد التفكير في إزالة ورقة منها سيؤلمنا كثيراً، وكفى ما أصابنا من آلام.٭  حين تسلم عازف (الكمنجة) المشهور محمد عبد الله محمدية خطاب إحالته للمعاش، قال لي إن كل الموسيقيين في العالم لا يؤمنون بشيء اسمه المعاش لأنهم يتنفسون موسيقى، ثم واصل: هل تعلم أن الكروان حين يتوقف عن التغريد فإن ذلك دلالة على رحيله، وأشار إلى صدره قائلاً: أنا هذا الكروان.٭ هدية البستانصوتك موسيقى وآه منكومن شوق عيني الشايلنكأنا تائه بيك عاشق فنكوأنا ما حبيتك إنتي براك حبيت الناس الحابنك

لم يزل طائر الشرق يحلق

  ٭ ماذا لو قام عشاق الكلمة المسكونة بالشجن بصنع طائرة من أنفاسهم تغادر بعبقري الألحان الموسيقار عمر الشاعر إلى خارج البلاد ليتداوى من آهاته بعد أن تداوت من ألحانه جراحاتنا، واستراحت على أنغامه أوجاعنا.. ماذا لو نسجنا له من أهدابنا سحابة تقله إلى سماء مباركة تضع يدها على جرحه فيشفى؟.. ماذا لو أهدينا له من عافية عيوننا سداً يمنع عنه ضربات من أيام صارت لها أنياب.٭ تذكرت قصة الحطّاب والأميرة التي كانت ترويها لنا جدتنا عليها الرحمة، في طفوتنا الأولى تحت أضواء المصابيح المرهقة في ليل كسلا، كنت أنا بالذات أحزن كثيراً من النهاية التي تعرض لها حطّاب الغابة، حيث صدر عليه حكم ملكي بأن يحمل صخرة على كتفه لمدة عام لمجرد أنه قابل ابتسامة حبيبته بوردة بيضاء، ألقاها عليها وهي في طريقها للقصر، كثيراً ما تساءلت: إلى متى يظل أخطبوط الطبقية البغيضة يقف سداً أمام من يقدمون الوردة البيضاء لأحبابهم ويفضلون أن تختنق هذه الوردة داخل قصر لا يتنسم عبيرها.٭ ظل الموسيقار (بليغ حمدي) يردد في كثير من مقابلاته الفنية أنه يعتبر الموسيقار محمد عبدالوهاب أكبر مقتبس للألحان الموسيقية في مصر، وقال إنه يتميز بقدرة هائلة على الصيد السهل للجملة الموسيقية التي تعجبه الصادرة عن أي لحن غربي، ثم يعمل على مزجها بحسه الشرقي ثم يخرج بها للناس لحناً يتفجر طرباً، وبما أن معظم الموسيقيين في مصر كانوا يعلمون عن عداء خفي يكنه بليغ للموسيقار الكبير، فإن أحداً منهم لم يصدقه، بل كانوا يتندرون عليه باعتبار أنه يسعى لبيع الطماطم في سوق باريس المعبأ بالتفاح الفرنسي.٭ هدية البستانفي عيون حلاتن طفلتين في الليل يضون نجمتينتتمنى لو انك سجين ما بين رموشن بالسنين
الى الاعلي