تلفون : 83741732 بريد الكتروني :Contact@akhirlahza.net فاكس : 83793073 - 83740992
الخرطوم ,

خط الإنسانية!

 

 يتمشدق الإعلام العربي دائماً بمصطلحات رنانة.. بعضها أصبح معروفاً ومتداولاً بين الناس ومسلماً به ولا يحدث أي تأثير يذكر من فرط الاستهلالك.. والجميع الآن بات يعلم أن السواد الأعظم من العرب يقع تماماً (تحت خط الفقر) وربما بمسافة بعيدة جداً!.. هذا الخط لا مكان له على الخارطة، تماماً مثل خط الاستواء الذي نتلظى بجواره نحن أهل السودان.. ولا مكان له على أرض الواقع أيضاً ..ولكن يمكنك أن تراه بوضوح في الأسواق والطرقات والمشافي والمدارس والبيوت.. له ملامح تحملها الوجوه البائسة الحزينة والأجساد الواهنة المنهكة.. والباعة المتجولون على الطرقات.. والمتسولون المتزايدون كل صباح.. والأطفال المتسربون من مقاعد الدراسة.. والأمهات اللائي يفقدن حياتهن عند الوضوع لعدم وجود رعاية صحية كافيةَ!
 لست اليوم بصدد الحديث عن الفقر ومآلاته وأبعاده وصوره، فجميعكم بإمكانه أن يتحدث عنه حديث العارفين وله معه صولات وجولات وحكايات.. ولكنني سأتحدث عن (خط الإنسانية).. وهو الخط الذي لا نقع تحته ولا فوقه لأنه لا وجود له أساساً في واقعنا العربي المعاصر.. فالإنسانية تتبدى في أبسط صورها في العدل والرحمة والاحترام.. وهي القيم الثلاث التي لا يمكنك أن تجزم بتداولها بين الناس في بلادنا.. والتي فشلت الحكومات في توفيرها أو تعليمنا إياها أو فرضها قسراً كما يحدث في الكثير من بقاع الدنيا حتى صارت بمرور الأيام سلوكاً أصيلاً للشعوب!.. وستعلم البعد الحقيقي لكلامي هذا حالما قدر لك أن تعبر - مثلاً - مطار الخرطوم.. لتحط رحالك في مدينة ما كـ(دبي) قد لا يتجاوز عمرها الأربعين عاماً منذ بدأ يدب فيها العمران!.. ولكن لأنهم جعلوا الإنسان أولاً فقد نجحوا في توظيفه كما يجب طائعاً مختاراً وبكل حماس، ليبني نهضة عمرانية مدهشة.. ويؤسس للحياة في أبهى صورها.
هنا لدينا وزارة كااااملة يتغير اسمها كل حين.. تعنى بالموارد البشرية ولا أرى أثراً لمهام حقيبتها الوزارية على الإطلاق.. هنا لا وجود للابتسام أو سرعة الأداء أو الإخلاص في العمل في أي مرفق تتعلق به تفاصيل حياتك اليومية إلا على نحو فردي فقط.. لأن أحدهم كان بفضل ربي (ود ناس) وكان هذا هو أسلوب تربيته وحياته.. أما أن يفرض عليك النظام ضرورة الإلتزام بقضاء حوائج الناس بذمة وضمير واتقان.. فلا تنتظر ذلك فى السودااان وربما في دول عربية أخرى!.. في الخارج.. تفرض الغرامات على كل صغيرة وكبيرة تمس إنسانيتك حتى ولو لم تكن من مواطني تلك البلاد. فيكفي أنك في حماها وتدعم اقتصادها في الداخل.. يقوم الاقتصاد على أكتافنا.. وتخرج علينا الجهات المعنية كل صباح بجباية جديدة.. وكلما استشرى الفساد في المال العام حكموا علينا بشد الحزام.. ولا زلنا لا نراوح خانة الأنعام لنرتقي لمصاف الإنسانية!! .. وإذا قررت يوماً إجراء معاملة حكومية أو استخراج ورقة رسمية.. فاستعد لإهدار يومك والأيام التي تليه في اللهاث بين المكاتب والموظفين الساخطين.. وكذلك الحال في المحاكم وأقسام الشرطة والمستشفيات.. حيث يسيطر الخوف على مشاعرنا وتصرفاتنا حتى وإن كنا أصحاب حق واضح.. فالسلطات هنا لا تفرق بين الناس.. فتمارس سطوتها على الجميع ترويعاً وتقريظاً وتهكماً!!.. أصبحنا نفتقر إلى الشعور بالأمان لأننا نعلم أننا قد نقع في أي لحظة تحت طائلة العقاب أو الإهانة دون تحرٍ أو تمحيص.. وبعدها حالما اتضح أنك مظلوم.. فلن يكلف أحدهم نفسه مشقة الإعتذار!!.. ولكن غالبيتنا نساهم بقدر وافر في محو خط الإنسانية ذاك من حياتنا.. معظمنا ندور في دائرة مغلقة وكما ندين ندان.. معظمنا لا يجيد فن التعامل الإنساني ونفتقر لثقافة الاعتذار والتسامح والتجرد والإتقان والمسؤولية!!.. لذلك سنظل نرزح طويلاً تحت وطأة الظلم والتهاون والاستياء والخوف والرغبة في الفرار أو الهجرة. الأمر يحتاج وقفة مع النفس.. لنعلمها أبجديات الإنسانية والوطنية وتقوى الله.. يحتاج أن نبادر بالعطاء لننتظر المنح.. يحتاج أن نرحم بعضنا البعض ما دامت أقدارنا قد كتبت علينا من لا يرحمنا.. نحتاج أن ننشط مضامين الإنسانية بداخلنا ونمارسها عملياً من داخل بيوتنا ثم تكبر الدائرة وتنداح للمجتمع قاطبة.. والشاهد أنه حتى تصبح إنساناً سوياً يجب أن تقلع عن تواكلك.. أرجو ألا تنتظر عربة النفايات لتميط الأذى عن طريقك.. ولا تتوقع من الحكومة أن تلزم أحدهم بصدقة التبسم في وجه أخيه.. ولا تلقِ أعباءك الحميمة على الجهات المسؤولة وتتوقع أن يتعلم أبناؤك الرحمة والبر والإحسان في المدارس وفق المنهج الموضوع حكومياً.. إن الحكومات يا صديقي منشغلة بما هو دون إنسانيتنا!
*تلويح:
 شرطاً يكون إنسان.. ومن داخل السودان

قراء 165 مرات

صفحتنا على الفيسبوك

الى الاعلي